تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٠٦
قوله : «وأوطَؤوكم إثخان الجراحة» ، أي جعلوكم واطئين لذلك ، والإثخان : مصدر أثخَن في القتل ، أي أكثر منه وبالغ حتى كثف شأنه ، وصار كالشيء الثَّخِين ، ومعنى إيطاء الشيطان ببني آدم ذلك إلقاؤه إيّاهم فيه ، وتوريطهم وحمله لهم عليه . فالإثخان على هذا منصوب ؛ لأنّه مفعول ثانٍ . قوله عليه السلام : «طَعْنا في عيونكم» ، انتصب «طعناً» على المصدر ، وفعله محذوف ، أي فعلوا بكم هذه الأفعال فطعنوكم في عيونكم طعنا . واعلم أنّه لمّا ذكر الطعنَ نسبه إلى العيون ، ولمّا ذكر الحزّ ، وهو الذبح نسبه إلى الحلوق ، ولما ذكر الدّقّ ، وهو الصدم الشديد أضافه إلى المناخر ، وهذا من صناعة الخطابة التي علّمه اللّه إيّاها بلا تعليم ، وتعلّمها الناس كلّهم بعده منه . والخزائم : جمع خزامة ، وهي حلقة من شعر تجعل في وَتَرة أنف البعير فيشدّ فيها الزّمام . وتقول : قد وَرَى الزّند ، أي خرجت ناره ، وهذا الزند أوْرَى من هذا ، أي أكثر إخراجا للنار . يقول : فأصبح الشيطان أضرَّ عليكم وأفسد لحالكم من أعدائكم الّذين أصبحتم مناصبين لهم ، أي معادين ، وعليهم متألبين ، أي مجتمعين . قوله عليه السلام : «فاجعلوا عليه حَدّكُمْ» ، أي شَبَاتكم وبأسكم . وله جِدّكم : من جددت في الأمر جدّا ، أي اجتهدت فيه وبالغت . ثم ذكر أنّه فَخَر على أصلِ بني آدم ، يعني أباهم آدم عليه السلام حيث امتنع من السجود له ، وقال : «أنا خير منه» . ووقع في حَسَبِكم ، أي عاب حَسَبَكم وهو الطين ، فقال : إنّ النّار أفضلُ منه . ودفع في نسبكم مثله . وأجلب بخيله عليكم ، أي جمع خَيَّالته وفُرْسانه وألّبها . ويقتنصونكم : يتصيّدونكم . والبَنان : أطراف الأصابع ، وهو جمع ، واحدته بَنَانة ، ويجمع في القلة على بَنانَات ، ويقال : بنان مخضَّب ؛ لأنّ كلّ جمع ليس بينه وبين واحده إلاّ الهاء فإنه يذكّر ويوحّد . والحَوْمة : معظم الماء والحرب وغيرهما ، وموضع هذا الجارّ والمجرور نصب على الحال ، أي يقتنصونكم في حومة ذلّ . والجَولة : الموضع الّذي تجول فيه . وكَمَن في قلوبكم : استتر ، ومنه الكمين في الحرْب . ونزغات الشيطان : وساوسه الّتي يفسد بها . ونفثاته مثله . قوله : «واعتمدوا وضع التذلّل على رؤوسكم ، وإلقاء التعزّز تحت أقدامكم » ، كلامٌ شريف جليل المحلّ ، وكذلك قوله عليه السلام : «واتّخذوا التّواضع مسلحةً بينكم وبين عدوّكم إبليس وجنوده» ، والمسلحة : خيلٌ معدّة للحماية والدفاع . ثم نهاهم أن يكونوا كقابيل الّذِي حَسَد أخاه هابيل فقتَله ، وهما أخَوانِ لأب وأُمّ ، وإنما