دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٤٧ - في المرجّحات الصنفيّة
و أمّا تقديم بعض أفراد التخصيص على بعض، فقد يكون بقوّة عموم أحد العامّين على الآخر، إمّا لنفسه، كتقديم الجمع المحلّى باللّام على المفرد المعرّف و نحو ذلك، و إمّا بملاحظة المقام، فإنّ العامّ المسوق لبيان الضابط أقوى من غيره و نحو ذلك، و قد يكون لقرب أحد التخصيصين و بعد الآخر، كما يقال: إنّ تخصيص الأقلّ أفرادا مقدّم على غيره،
و مثال تعارض الدليلين من باب الفرض ما إذا قيل: اجلس يوم الجمعة و قيل أيضا: لا يجب جلوس يوم الجمعة، فيحصل الجمع بينهما بحمل الأمر في الأوّل على الندب و بحمل الجمعة في الثاني على البعض، كما بعد الزوال مثلا، و حيث إنّ استعمال الأمر في الندب مجاز شائع بخلاف استعمال الكلّ في الجزء، فيكون ظهور الجمعة في معناها الحقيقي- أعني: تمام الجمعة- أقوى من ظهور الأمر في الوجوب، فيؤخذ بظاهر قوله: لا يجب جلوس يوم الجمعة، و يحمل قوله: اجلس ... إلى آخره على الندب.
و مثال تقديم بعض أفراد التخصيص على بعض لقوة أحد العامّين على الآخر بنفسه، مثل ما إذا ورد أكرم العلماء و ورد أيضا و يستحبّ إكرام الشاعر، فإنّه يؤخذ بظاهر الأوّل و يخصّص الثاني بالشاعر غير العالم، و الوجه فيه أنّ العموم المستفاد من الأوّل يكون بالوضع، و من الثاني يكون بدليل الحكمة، فدلالته على العموم موقوفة على عدم بيان القيد، و قوله: أكرم العلماء بيان له، فيكون ظاهر الأوّل واردا على ظاهر الثاني. و نحو ذلك، كتقديم المسور بالكل على المفرد المعرّف.
و مثال العامّ المسوق لبيان الضابط، كقوله: من أتلف مال الغير فهو له ضامن، فيقدّم على قوله: لا يضمن المستعير إلّا أن يشترط عليه المعير، فإنّ الأوّل لكونه في مقام بيان ضرب القاعدة أقوى ظهورا من الثاني الوارد لبيان حكم فرعي في مورد خاصّ، فيحمل الثاني على غير صورة الإتلاف و هو التلف.
و نحو ذلك، كالعامّ الوارد في مقام الامتنان فإنه مقدّم على غيره، نظير قوله تعالى:
وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [١] و قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [٢] الآية، فإنّه يؤخذ بعموم الأوّل الوارد في مقام الامتنان و يحمل الثاني على غير صورة الحرج.
[١] الحج: ٧٨.
[٢] البقرة: ١٨٣.