التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٧ - الرؤية
تعالى: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ[١]. فلا نظر منهم الا اليه سبحانه، و قد صار علم يقينهم عين يقين. و انكشف لهم من أسرار الملك و الملكوت ما كانوا يعلمونه بالدلائل و الآيات.
و النظر الى كذا، لا يختص بمعنى تحديق العين اليه، بل يستعمل بمعنى القصد اليه و كمال التوجه اليه أيضا، كما يقال: ان هذه القصيدة تنظر الى قصة كذا، أو ان هذه الآية تنظر الى مناسبة كذا. أي تهدف في مضمونها. و هكذا يقال:
نظري اليك، أي رجائي منقطع عمّن سواك، كقول الشاعر:
|
و اذا نظرت اليك من ملك |
و البحر دونك جرتني نعما |
|
و قال آخر:
|
اني اليك لما و عدت لناظر |
نظر الفقير الى الغني الموسر |
|
و لم يقصدا سوى الرجاء و التوجه بكل وجودهما، لا بالجارحة.
قال جار اللّه الزمخشري: سمعت سرويّة مستجدية بمكة وقت الظهر، حين غلق الناس أبوابهم و أووا الى مقائلهم، تقول: «عيينتي نويظرة الى اللّه و اليكم» تقصد راجية و متوقعة لإحسانهم إليها. و قال: قولهم: أنا أنظر الى اللّه ثم اليك معناه: أتوقع فضل اللّه ثم فضلك[٢] قال الإمام الرازي في قول الشاعر:
|
وجوه يوم بدر ناظرات |
الى الرحمن تنتظر الفلاحا |
|
ان الرواية الصحيحة: يوم بكر. و المراد من هذا الرحمن مسيلمة الكذاب.
قلت: فليكن، بعد أن لم يكن النظر هنا هو تحديق العين بل الرجاء و توقع الفرج، سواء أ كان هو رحمان العالمين أم رحمان اليمامة.
فمعنى الآية- على هذا- ان المؤمنين يوم القيامة في بهجة و سرور، لأنهم لا يتوقّعون النعمة و الكرامة الا من عند ربهم، و قد تحققت أمانيّهم بعين شهود.
[١] البقرة: ١٥٦.
[٢] راجع: الكشاف ج ٤ ص ٦٦٢. و اساس البلاغة: ج ٢ ص ٤٥٦.