التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٩ - حل شبهات المجبرة
العباد و أفعالهم، و شاهد صدق على إرادة الموجودات العينية.
١٣- و الإرادة في قوله تعالى: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ[١] إرادة تكوين. أي يفعل ما يريد أن يفعله هو تعالى إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٢].
و هذا هو الظاهر من أمثال هذا الكلام عند حذف المتعلق .. أمّا إرادته تعالى المتعلقة ببعض أفعال العباد، فهي إرادة تشريعية قد تتخلف عن المراد على ما سبق البحث عن ذلك إجماليا[٣].
١٤- و قوله: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ (كجدب و آفة) وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ (كمرض و عاهة) إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها[٤]. إشارة إلى مسألة القضاء و القدر، التي ليست سوى علمه تعالى بما سيحدث و على الصفة التي تحدث في علمه القديم. من غير أن يكون علمه تعالى علة لتكوين المعلوم، حيث لا شأن للعلم أن يكون مؤثرا في تحقق المعلوم، سواء تعلق به قبل حدوثه أم بعده أم مقارنا له. و سنبحث عن هذه المسألة في فصل قادم، إن شاء اللّه.
١٥- و قوله: وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ[٥] لا يعني تكلماتهم فيما ينطقون، و انّما عنى اختلاف لهجاتهم، و إقدارهم على النطق بمختلف اللغات. و قد فسر باختلاف نبرات الصوت، حتى لا تشتبه نغمات صوتين، كما لا تشتبه لمحات وجهين حتى و لو تشابهت الالوان.
قال القاضي: و ذلك أنّ اللسان آلة في الكلام، و بحسبه يختلف الكلام، فأراد تعالى أن يبيّن أنّه خالف بين الألسنة لكي تختلف الأصوات و النغم في الكلام، فيفصل بين متكلم و متكلم، كما خالف بين الألوان، ليقع للمشاهد التمييز[٦].
[١] هود: ١٠٧.
[٢] يس: ٨٢.
[٣] راجع: صفحة ١٦٧.
[٤] الحديد: ٢٢.
[٥] الروم: ٢٢.
[٦] متشابهات القرآن: ج ٢ ص ٥٥٣- ٥٥٤. و تفسير الصافي: ج ٢ ص ٢٩٧.