التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٤ - خاتم النبيين
*- و منها قوله تعالى: عَبَسَ وَ تَوَلَّى. أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى. وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى. فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى. وَ ما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى. وَ أَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى. وَ هُوَ يَخْشى. فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى[١].
رووا بشأن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) انه كان يتكلم مع عظماء قريش إذ جاء ابن ام مكتوم- و هو فقير أعمى- يسترشده، فلم يلتفت اليه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و امتعض و اعرض بوجهه عنه، قائلا في نفسه، ان هؤلاء الصناديد سوف يقولون: انما اتبعه السفلة السقاط![٢].
قال أعداء الاسلام و المشنعون بمقام سيد المرسلين: هل هذا من خلق المرسلين؟ و هلا يتنافى ما في هذه السورة مع قوله تعالى: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ[٣][٤]؟!.
قال الشريف المرتضى- قدس سره الشريف-: «أمّا ظاهر الآية فغير دال على توجهها إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و لا فيها ما يدل على أنه خطاب له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بل هي خبر محض لم يصرح بالمخبر عنه، و فيها ما يدل عند التأمل على ان المعني بها غير النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لانه وصفه بالعبوس، و ليس هذا من صفات النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في قرآن و لا خبر مع الاعداء المنابذين[٥] فضلا عن المؤمنين المسترشدين.
ثمّ وصفه بأنه يتصدى للاغنياء و يتلهى عن الفقراء، و هذا مما لا يصف به نبينا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من يعرفه. فليس هذا مشبها لأخلاقه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الواسعة، و تحننه على قومه و تعطفه.
[١] عبس: ١- ١٠.
[٢] الطبري- جامع البيان- ج ٣٠ ص ٣٢- ٣٤.
[٣] القلم: ٤.
[٤] انظر: الهدى الى دين المصطفى للحجة البلاغي: ج ١ ص ١٥٨.
[٥] قال تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ- آل عمران: ١٥٩.