التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٧ - مسألة السعادة و الشقاء
بكثرة العبادة و نبذ لذائذ الحياة رأسا. و قال: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى[١] أي فتتعب و تقع في عناء العيش بعد هذا الرغد و المرفهية.
كما ورد في الحديث: «من سعادة المرء سعة داره، و من شقاءه ضيق داره»
أي من قدّر له الرفاه في هذه الحياة كان من دلائله ان ينعم بسعة في داره، و من قدر له الضيق في الحياة، كان من دلائله ان يرزق بدار ضيقة. إذ ليست سعة الدار و لا ضيقها مما يرتبط و مسألة السعادة و الشقاء بمعنى طيب النفس و خبثها، و من ثمّ جاء
في رواية اخرى: «من شقاء العيش ضيق المنزل»
أي من سوء الحظ في الحياة ان تكون دار سكنى الانسان ضيقة[٢].
إذن فالسعيد- على هذا التفسير- هو صاحب الحظ الوفير في هذه الحياة و الشقي: المحروم التعيس.
و نحن قد فسرنا
الحديث المأثور «السعيد من سعد في بطن امّه، و الشقي من شقى في بطن امه»[٣]-
في بعض المجالات- بهذا المعنى الثاني[٤]. أي من قدر له الرفاه في هذه الحياة فان دلائله تبدو من حين انعقاد نطفته، فانه ينعم برفاه في نفسه و في امّه فتقضي دور حملها به في ارتياح و رغد من العيش الهنيء. أمّا التعيس المحروم فان تعاسته لتسري إلى حالة امّه، لتقضي دور حملها في عناء و عطب و قلق نفسي و اضطراب.
و لعل الاطلاق الاوّل من السعادة و الشقاء، استعارة من هذا المعنى، تشبيها لغير المحسوس بالمحسوس، فالسعيد الطيب النفس مرفه عليه نفسيا، انه يعيش في آفاق متسعة الأبعاد، في طمأنينة من الحياة و ارتياح. «الذين آمنوا و تطمئن قلوبهم» و الشقي الخبيث يعيش في قلق و حرج و اضطراب نفسي، في إطار ضيق
[١] طه: ١١٧.
[٢] مكارم الاخلاق للطبرسي، و الوسائل أبواب أحكام المساكن: ج ٣ ص ٥٥٧- ٥٦٠.
[٣] بحار الانوار ج ٥ ص ١٥٣ رقم ١ نقلا عن أمالي الصدوق.
[٤] و للحديث تفسير آخر سيأتي في حديث ابن أبي عمير مع الامام موسى بن جعفر( عليه السلام).