التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٦ - الأفعال الاختيارية
٣٣- و قال: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ، لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ[١].
٣٤- و قال تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا، وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ، كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا، قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ[٢].
لا تعدو قولة المشركين- في الجبر و أن اشراكهم مفروض عليهم من قبل اللّه- قولة الأشاعرة في أن الكفر و الايمان مخلوقان في الكافر و المؤمن بمعزل عن اختيارهما- كما تقدم في كلام الأشعري، بالذات- و من ثمّ فهذه الآية الكريمة رد صريح على مذهبهم الفاسد، و يوجه إليهم الاعتراض: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون الا الظن و ان أنتم- أيتها العصابة الأشعرية- إلّا تخرصون.
و أمّا الآية التي بعدها: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ[٣] فالمشيئة هنا هي المشيئة التكوينية، أمّا المشيئة التشريعية فقد شاءها اللّه تعالى بلا شك، لأنّه تعالى وجه دعوته إلى عامّة الناس: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ[٤]. وَ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً[٥]. أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[٦]. فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَ اسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا[٧].
٣٥- و قال: وَ قالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ[٨].
و هكذا الأشاعرة قالوا: لو شاء الرحمن ما كفر الكافر و لا عصى العاصي. ما لهم بهذا الكلام الباطل من علم «إن هم إلّا يخرصون».
٣٦- و قال تعالى: وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[٩]. ما هذا الأمر و ما هذا الطلب، لو كانت الاطاعة و العصيان خارجتين عن تحت قدرتهما،
[١] التكوير: ٢٧- ٢٨.
[٢] الانعام: ١٤٨.
[٣] الانعام: ١٤٩.
[٤] البقرة: ٢١.
[٥] النساء: ٣٦.
[٦] النساء: ٥٩.
[٧] التغابن: ١٦.
[٨] الزخرف: ٢٠.
[٩] آل عمران: ١٣٢.