التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٥ - فرضية الاحباط في خطوات
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[١].
و هذا الوجه الثاني اوفق بعمومات الأجر و قانون العدل و الانصاف. قال تعالى: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ[٢]. فمن رحمته الواسعة هو عمومها للكافر و المؤمن مقيدة بهذه الحياة الدنيا، أمّا في الآخرة فهي خاصة بالمؤمنين.
و قال: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا[٣].
و قال: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ[٤].
و الخلاصة: الثابت- يقينا- من حبط اعمال الكفار هو اندثارها هباء في دار اخرى لا حظ لهم فيها و لا نصيب.
قال تعالى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ. مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ[٥].
و قال: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (أي نصيب). وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ. أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ[٦].
و الآيات من هذا القبيل كثيرة، دالة على ان الكافر قد يكون موفرا عليه في هذه الحياة، و ربما جزاء على اعمال حسنة يقوم بها، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، و إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملا. فتحقيقا لهذا العموم في الجزاء، يجازي
[١] القصص: ٨٣.
[٢] الاعراف: ١٥٦.
[٣] مريم: ٦٣.
[٤] الحديد: ٢١.
[٥] الشورى: ١٩- ٢٠.
[٦] البقرة: ٢٠٠- ٢٠٢.