التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٣ - إرادة الله الحادثة
غير نهاية، و من ثمّ أنكر بعض المتفلسفين أن تكون الإرادة بنفسها اختيارية، و ان كانت هي السبب لاختيارية سائر الافعال الاختيارية[١]. و بذلك ربما انتقضت القاعدة المعروفة «فاقد الشيء لا يعطي»! قلت: كلّ ما بالغير لا بدّ أن ينتهي إلى ما بالذات، و إلّا لتسلسلت حلقات الحاجة و الافتقار. فاختيارية كلّ عمل إنّما هي بمسبوقيته بإرادة الفاعل المختار، و الإرادة هي التي تكسبه وصف الاختيارية. هذا صحيح، غير أنّ نفس الإرادة توصف بالاختيارية ذاتا، لا بسبب غير ذاتها. كما أنّ ملوحة الأشياء مكتسبة من الملح، أمّا ملوحة الملح فذاتية له، و كذا تنوّر الأشياء بالنور، و تنوّر النور ذاتي.
و هكذا الإرادة بذاتها اختيارية، و أمّا سائر الأفعال فإنّما تكون اختيارية إذا كانت تحت الاختيار، و كانت تصدر عن إرادة الفاعل المختار.
و أيضا فإنّ معنى اختيارية الأفعال الاختيارية- على ما أسلفنا- أنّها تتحقق بإذن اللّه و إرادته لأن توجد عند إرادة فاعليها و اختيارهم الخاص. أمّا نفس الإرادة و الاختيار من العباد فانهم مستقلون فيها عند تحقق مباديها، من تصور العمل و فائدته و الشوق اليها و ما إلى ذلك. فالإرادة من العباد انّما تتحقق بتكوين نفسي منهم، و تنبعث بذاتها من داخل كيانهم و باطن وجودهم بالذات، و ليست معلولة لشيء آخر، من قبيل جوهر النفس اللااختياري- كما ذهب إليه المحقق الخراساني- أو إرادة الواجب تعالى- كما ذهب إليه مجبرة الفلاسفة-. إذ كل ذلك نقض لاساس الاختيار و رجوع ملتو عن القول باختيارية الأفعال.
إرادة اللّه الحادثة:
تقدّم أنّ الإرادة من صفات الفعل[٢] و من ثمّ فهي حادثة و قائمة بمتعلقاتها،
[١] راجع: كفاية الاصول- للمحقق الخراساني- بحث الطلب و الارادة: ج ١ ص ١٠٠.
[٢] صفحة: ١٧٠- ١٧١.