التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٤ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
بهذا الكتاب الذي جاء هدى للعالمين. قال تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ[١]. و الآية نظيرة قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها[٢]. و لا شك أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) جاء منذرا للخلق كلهم، كما قال تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً[٣].
٣- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ[٤] يدل على أنّهم لا يقدرون على الايمان.
و الجواب: انّه تيئيس للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن تأثير دعوته، بالنسبة إلى اولئك المردة العتاة، فهو اخبار عن عدم وقوع، لا اخبار عن عدم قدرة، و إلّا لم يصح ذلك الذم و التوبيخ، و الوعيد بعذاب عظيم.
٤- خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ[٥]. فإذا كان اللّه قد ختم على قلوبهم، كان ذلك من ادلّ دليل على انّه تعالى هو الخالق للايمان و الكفر، و للاسباب الموجبة لها! و الجواب: انّ ذلك تشبيه و استعارة، و كناية عن ذلك الاعتياد على العناد مع الحق و الصمود على التمرد و الطغيان. كما جاء في تعبير انفسهم فيما حكى اللّه عنهم فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ، وَ قالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ، وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ، فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ[٦].
انظر إلى هذا التعبير الجافي، جعلوا من أنفسهم صخرة صماء و حجرا صلدا لا يتأثر بشيء. و إنّما هي تعابير كنائية عن تلك القسوة و الجفاء العارم وَ لكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ[٧]. و قال تعالى- مخاطبا لامثالهم في انكار لاذع-: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً[٨]. و من ثمّ ردّ عليهم هذا التبرير الكاذب بقوله تعالى:
[١] البقرة: ١٨٥.
[٢] النازعات: ٤٥.
[٣] سبأ: ٢٨.
[٤] البقرة: ٦.
[٥] البقرة: ٧.
[٦] فصلت: ٤- ٥.
[٧] الانعام: ٤٣.
[٨] البقرة: ٧٤.