التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٥ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
فعل ما يريد و ترك ما يكره، لما كان لمثل هذا الكلام في مثل هذه اللهجة المهددة موضع صحيح.
و لا سيما و تعقيبها بآية هي أشد صراحة في مسئولية الانسان ذاته عما يرتكبه من أعمال: مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ. وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها، وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى. وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا[١].
١٤٤- وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً[٢].
و قد قامت الأشاعرة حول هذه الآية الكريمة و قعدت و طبّلت و زمّرت، زاعمة صراحتها في أنّه تعالى هو الذي يريد الكفر و الفسوق و يأمر بهما لغرض هلاك من يريد اهلاكه ابتداء و من غير ما سبب مبرر[٣].
و الجواب: أوّلا- وقوع هذه الآية أثر الآية المتقدمة الصريحة في اختيار العباد و تحملهم المسئولية، مما يحتم توجيه هذا إلى ما يلتئم مع قرائنها و إلّا لوجد معارضو القرآن إلى اختلاف آياته سبيلا.
قال الكعبي: انّ سائر الآيات دلت على أنّه تعالى لا يبتدئ بالتعذيب و الاهلاك، لقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ[٤] و قوله: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ[٥]. و قوله: وَ ما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَ أَهْلُها ظالِمُونَ[٦]. فكل هذه الآيات تدلّ على أنّه تعالى لا يبتدئ بالاضرار. و أيضا ما قبل هذه الآية يدلّ على هذا المعنى، و هو قوله:
[١] الاسراء: ١٥.
[٢] الاسراء: ١٦.
[٣] سننقل نص كلامهم في تأويل الآية- وفق مذهبهم في الجبر- عن الرازي في تفسيره في التعليق الآتي.
[٤] الرعد: ١١.
[٥] النساء: ١٤٧.
[٦] القصص: ٥٩.