التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٤ - القدرية
من حيث الحكمة، فيبدل اللّه سيئاتنا حسنات، تبديل حكم لا تبديل عين»[١].
قلت: لا محيص عن رجوع مسألة الكسب- بهذا التفسير- إلى الجبر الخالص، و ليس إلّا فرارا من المطر إلى الميزاب.
القدرية:
هذا الاسم أطلقته المعتزلة على الأشاعرة، باعتبار قولها بالقدر، و أنّ اللّه تعالى هو الذي قدّر الشر و الكفر، و أنّ أفعال العباد خارجة عن استطاعتهم في الاختيار، بل هي مقدّرة بقدر اللّه و قضائه في علمه الأزلي القديم، حسبما تقدّم في كلام الأشعري.
و حاول الأشعري ردّ هذا الاسم على المعتزلة، بحجة قولهم بقدرة العبد على فعله و استطاعته فيما يختار. قال: «و زعمت القدرية- يريد بهم أصحاب الاعتزال- أنّا نستحق اسم القدر، لأنّا نقول: انّ اللّه عزّ و جلّ قدر الشر و الكفر، فمن يثبت القدر كان قدريا، دون من لم يثبته. يقال لهم: القدري هو من يثبت القدر لنفسه، دون ربه عزّ و جلّ، و أنّه يقدّر أفعاله دون خالقه. و كذلك هو في اللغة، لأنّ الصائغ هو من زعم أنّه يصوغ، دون من يقول: انّه يصاغ له. فلما كنتم- خطاب الى المعتزلة- تزعمون أنّكم تقدّرون أعمالكم و تفعلونها دون ربكم، وجب أن تكونوا قدرية، و لم نكن نحن قدرية، لأنّا لم نضف الأعمال الى أنفسنا دون ربّنا، و لم نقل: إنّا نقدّرها دونه، و قلنا: إنّها تقدّر لنا»[٢].
قال أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي: «لم نجد في أسماء الفرق ما ينكره أصحابه و يتبرأ منه أهله، سوى القدرية. فأهل العدل- يعني بهم فرقة الاعتزال-
[١] اليواقيت و الجواهر في بيان عقائد الأكابر، للعارف الشيخ عبد الوهّاب الشعراني: ج ١ ص ١٣٩- ١٤١، المبحث ٢٤ و الفتوحات: ج ١ ص ١٧٧ و ج ٤ ص ٣٣- ٣٤.
[٢] الابانة: ص ٦١.