التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٠ - مسألة الأمر بين الأمرين
إسماعيل، سلب السكين خاصية القطع، و سلب حلقوم إسماعيل خاصية الانقطاع، أي لم يمدهما في هذه الخاصية فلم يأذن لهما في القطع و الانقطاع، فلم يتحقق الذبح.
و مثال آخر تمثل به سيدنا الاستاذ- دام ظله- قال: ان الأشياء (الممكنة بالذات) كما تفتقر في حدوثها إلى افاضة المبدأ تعالى، كذلك في بقائها- الذي هو حدوث في آن ثان- فلا بدّ في بقائها و استمرارها من استمرار افاضة الوجود عليها من المبدأ تعالى. فلو انقطعت الافاضة عليها في آن لانعدمت من فورها.
بداهة استحالة بقاء الممكن بالذات (و هو المفتقر في وجوده إلى مبدأ يفيض عليه الوجود حدوثا و بقاء) بدون تلك الافاضة المستمرة.
نظير وجود النور داخل الزجاجة الكهربائية، تشع به ما دامت الطاقة الكهربائية تتصل إليها من مركز التوليد عبر الاسلاك، لا يمكن تحقق هذا الوجود النوري- داخل الزجاجة- حدوثا و بقاء إلّا باستمرار ذلك الاتصال المفاض عليها من المركز و متى ما انقطعت تلك الافاضة أو انقطع السلك، فإنّ النور ينقطع في آنه.
و حينئذ لو فرضنا أنّ انسانا وضع يده على زر الكهرباء، كانت انارة الزجاجة واقعة تحت اختياره بالمباشرة، ان شاء ضغط على الزر فتتنور الزجاجة، و ان شاء رفع يده فتنطفي. و صحت نسبة إنارة الغرفة و إظلامها إليه بنفس هذا الاعتبار، و ان كان حظه من ذلك هو نفس القطع و الوصل لا أكثر. و هكذا حظ الانسان في إحداث ما يريد من أعمال و ايجادها، فتدبر جيدا[١].
و بعد، فقد تبين- في ضوء ما قدمنا- صحة اسناد حدوث جميع المحدثات إلى اللّه سبحانه، و اطلاق القول بأن لا خالق إلّا اللّه و لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه. إذ ترجع جميع القوى في تأثيراتها إلى امداد فيضه تعالى باستمرار.
[١] راجع: المحاضرات بقلم محمد اسحاق الفياض: ج ٢ ص ٩١.