التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٥ - الأعضاء
و إذا لاحظنا صفة الغنى في ذاته المقدسة وَ رَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ[١] و رجعنا إلى الآيات الكريمة التي تصفه تعالى بالغني الذاتي في جميع شئونه تبارك و تعالى فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ[٢]. وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَ أَقْنى[٣] كفانا مئونة البحث عن تنزيهه تعالى عن الاعضاء و الجوارح. انها آيات محكمات لها صراحة و موافقة لحكم العقل الرشيد، هن ام الكتاب و يجب ارجاع ما ظاهره التنافي لها اليها في ضرورة الدين. و عليه فكل آية أو قول مأثور جاء فيه ذكر الوجه أو اليد أو العين للّه تعالى فمؤول إلى معان آخر غير ظاهرها اللغوي البحت.
و حاول بعض المشبهة و كذا الأشاعرة تحويرا في اسناد الجوارح إلى اللّه، فقالوا: له يد لا كالايدي، و وجه لا كالوجوه، و عين لا كالعيون، او ان له يدا بلا كيف ... الخ، أي لا ينبغي أن يسأل: كيف هذه اليد التي أثبتّموها للّه تعالى، و كيف هذه الرجل التي يضعها الجبار في جهنم فتقول: قط قط؟!.
لكنها محاولة عقيمة و فاشلة إلى حد بعيد، إذ لا يفرق في حكم العقل بين يد و يد أو جارحة و جارحة، انّه تعالى مستغن عن استعمال جارحة اطلاقا، سواء أ كانت على نحو جوارح الناس أم كانت نحوا آخر، إذ لو كانت له تعالى جارحة، فمعناه انّه تعالى بحاجة إليها، مهما كانت نوعيتها. كما أنّ اثبات الأعضاء- على أيّ نحو كانت- يستدعي تركبه تعالى منها، و التركيب في ذاته المقدسة مستحيل، نظرا لان المتركب من الأجزاء محتاج إليها في تركيبه، الأمر الذي يمتنع بشأنه تعالى إطلاقا.
أمّا الآيات التي تمسكوا بها فلا دلالة لها على ثبوت عضو له تعالى، حتى في ظاهر تعابيرها البديعة، فضلا عن امكان تأويلها إلى ما يتوافق و محكمات الآيات و العقول. و لنذكر من الآيات ما جاء فيها ذكر الوجه و العين و اليد و اليمين و الساق على الترتيب. و ننظر فيما خرجه العلماء في تأويلاتها الحكيمة، ثمّ
[١] الانعام: ١٣٣.
[٢] النمل: ٤٠.
[٣] النجم: ٤٨.