التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٧ - إضلال أم خذلان؟
ضلال بالنسبة إلى تاليتها و ظلمة انتقل عنها بتوفيق اللّه و هديه الخاص الى نور هي درجة جديدة من نور هدايته تعالى.
و بهذا المعنى فسرنا قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ[١]، حيث الفعل المضارع دلّ على استمرار وجودي لهذا الانتقال التدرّجي، و ما ذاك إلّا عنايته تعالى بشأن المؤمنين من عباده، أخذا بأيديهم صعدا على مدارج الهداية و الكمال، من نور هي ظلمة نسبيّة الى أنور، سيرا تقدميا مع الأبدية. أمّا الكافر العنود فانه في سير تقهقري، رجوعا من نور عقله و هدى فطرته الى ظلمات الغي و الجهالة المردية وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ[٢]. عصمنا اللّه من غواية النفس و انقذنا من حبائل الشيطان، و هدانا الى سبيل رشده هديا متواصلا مع الأبد، آمين ربّ العالمين.
إضلال أم خذلان؟:
تلك هدايته تعالى بالمعاني الخمسة المتقدمة، منها ما كانت اختيارية، و هي المتوسطة بين سابق «فطرة و عقل» و لا حق «توفيق و تسديد» فاذا ما لبّى العبد نداء فطرته و سار على رشد عقله، انقاد لهدى الشريعة و أطاع ربه، و من ثم أدركه توفيق رباني و انشرح صدره فبلغ الحقيقة و الصواب بعنايته تعالى و لطفه الخاص.
أمّا اذا عاكس فطرته و خالف رشد عقله، فإنّه لا يجيب الى دعوة الأنبياء و لا يمتثل تكليف ربه، و من ثم لم يستعد بنفسه لشمول نفحات قدسه تعالى، فأخطأه التوفيق و ضاق صدره فلم ينل الاهتداء الى الصواب، فكان قد حرم سعادة الحياة في شقاء دائم.
[١] البقرة: ٢٥٧.
[٢] البقرة: ٢٥٧.