التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٣ - الجبرية
أصحاب الأشعري إلى القول بالجبر، و مال آخرون إلى أنّ لها تأثيرا ما، و هو اختيار الباقلاني، لكنه لما سئل عن كيفية هذا التأثير، في حين التزامه باستقلال القدرة القديمة في خلق الأفعال، لم يحر جوابا، و قال: إنّا نلتزم بالكسب لأنّه ثابت بالدليل، غير أنّي لا يمكنني الافصاح عنه بعبارة. و تمثل الشيخ أبو طاهر بقول الشاعر:
|
إذا لم يكن إلّا الأسنّة مركب |
فلا رأي للمضطر إلّا ركوبها |
|
قال الشعراني: و ملخص الأمر: أنّ من زعم أن لا عمل للعبد فقد عاند، و من زعم أنّه مستبد بالعمل فقد أشرك، فلا بدّ أنّه مضطرّ على الاختيار.
أمّا الكشف الصوفي فقد جاء في كلام الشيخ محيي الدين ابن العربي- في الفتوحات المكية باب ٢٢-: ان صورة مسألة خلق الأفعال صورة «لا» من حروف الهجاء، فان الرائي لا يدري أي الفخذين هو اللام حتى يكون الآخر هو الألف، و من ثمّ يسمى هذا الحرف حرف الالتباس. و هكذا لم يتخلص الفعل الظاهر على يد المخلوق لمن هو؟ و لكن ان قلت: هو للّه، صدقت. و ان قلت للمخلوق مع اللّه، صدقت. و لو لا ذلك لما صح التكليف و لا اضافة العمل اليه بنحو قوله: «اعملوا».
و قال- في باب ٤٢٢-: انّما أضاف تعالى الأعمال إلينا، لأننا محل الثواب و العقاب، و هي للّه حقيقة. و لكن لما شهدنا الأعمال بارزة على أيدينا و ادعيناها لنا، أضافها تعالى إلينا بحسب دعوانا، ابتلاء منه لأجل الدعوى. ثمّ إذا كشف اللّه تعالى عن بصيرتنا، رأينا الأفعال كلها للّه تعالى، و لم نر إلّا حسنا، فهو تعالى فاعل فينا ما نحن العاملون. ثمّ مع هذا المشهد العظيم لا بدّ من القيام بالأدب، فما كان من حسن- شرعا- أضفناه اليه تعالى خلقا، و إلينا محلّا. و ما كان من سيئ أضفناه إلينا باضافة اللّه تعالى، فنكون حاكين قول اللّه عزّ و جلّ، و حينئذ يرينا اللّه وجه الحكمة في ذلك المسمى سوءا فنراه حسنا