التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٠ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
و فريق الاعتزال. و هي من جلائل الآيات القرآنية و أدقها تعبيرا عن موقف الدعوة الاسلامية الضافية، تجاه الحياة البشرية المليئة بالأكدار.
هذه الآية تجعل من شريعة اللّه نبضة الحياة العليا السعيدة، التي هي منشودة الانسانية الكريمة، في صميم واقعها الأصيل. و انّها لهي الحياة الحقيقية إذا ما تقبلتها النفوس و استسلمت لقيادتها الحكيمة. أمّا معاكسة هذا الاتجاه فيهددها خطر الانعطاف إلى تيه الجهل و الضلال، و سقوط فاضح عن مقام الانسانية الرفيعة.
غير أن الأشاعرة بالذات أعشى أعينهم بريق هذا المعنى اللامع فحاولوا تحريفه إلى ما يلتئم و مذهبهم في الجبر. الأمر الذي جعل من الآية غريبة المفاد عما اكتنفها من صدر و ذيل.
قال الفخر الرازي: يختلف تفسير الآية بحسب اختلاف الناس في الجبر و القدر. أمّا القائلون بالجبر، فقال الواحدي- حكاية عن ابن عباس و الضحاك- يحول بين المرء الكافر و طاعته، و يحول بين المرء المطيع و معصيته. فالسعيد من أسعده اللّه، و الشقي من أضله. و القلوب بيد اللّه يقلبها كيف يشاء. فإذا أراد الكافر ان يؤمن، و اللّه تعالى لا يريد ايمانه، يحول بينه و بين قلبه. و إذا أراد المؤمن أن يكفر، و اللّه لا يريد كفره، حال بينه و بين قلبه.
قال الفخر- تعقيبا على ذلك-: و قد دللنا بالبراهين العقلية على صحة أنّ الأمر كذلك. و ذلك لأن الأحوال القلبية إمّا العقائد و إمّا الإرادات و الدواعي- ثمّ أخذ في الاستدلال على أنها جميعا خارجة عن اختيار العبد- و قال أخيرا:
فتعين ان يكون فاعل الاعتقادات و الإرادات و الدواعي هو اللّه تعالى. قال:
فنص القرآن دلّ على أنّ أحوال القلوب من اللّه، و الدلائل العقلية دلّت على ذلك، فثبت أنّ الحق ما ذكرناه[١] و بهذه السفسطة المفضوحة حاول اثبات
[١] التفسير الكبير: ج ١٥ ص ١٤٧- ١٤٨.