التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٩ - مسألة السعادة و الشقاء
يخلقهم ليعصوه. و ذلك قوله- عز و جل- وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. فيسر كلا لما خلق له فالويل لمن استحب العمى على الهدى»[١].
هذا من جلائل احاديث أهل البيت (عليهم السلام)- و هم أدرى بما في البيت- و هو يؤكد تماما ما ذكرنا: ان أحدا لم يقدّر له أن يكون شقيا أو خبيثا.
و قوله أخيرا:
«فيسر كلا لما خلق له»
إشارة إلى قوله تعالى: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ[٢] أي ان اللّه تبارك و تعالى انما خلق العباد ليعبدوه و ليختاروا طاعته على معصيته، و من ثمّ أقدرهم على كلا الأمرين و يسر لهم طرق الامتثال لتكون اطاعتهم عن اختيار و عبادتهم عن رغبة و إرادة، و هكذا كانت منحة الاختيار لحكمة التكليف و الاختيار، إلّا ان من العباد من يستغل هذه المنحة الإلهية في اغراض مخالفة فيستعمل من قدرته و قواه، في اتجاه معاكس لغرضه تعالى. فويل له من هذه الاستفادة السيئة.
و قد جاء هذا المعنى في أحاديث كثيرة، منها: ما
رواه البزنطي عن الامام (عليه السلام) فيما نقله من الحديث القدسي: «يا ابن آدم، بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء (أي الاذن منه تعالى) و بنعمتي ادّيت إلى فرائضي، و بقدرتي قويت على معصيتي خلقتك سميعا بصيرا. انا اولى بحسناتك منك، و أنت اولى بسيئاتك مني ... الخ»[٣].
و في حديث الزنديق، سأل الامام أبا عبد اللّه الصادق (عليه السلام) فقال: أخبرني عن اللّه، كيف لم يخلق الخلق كلهم مطيعين؟ قال: لو خلقهم مطيعين لم يكن ثواب، لان الطاعة إذا لم تكن من فعلهم لم تكن جنة و لا نار.
[١] كتاب التوحيد للصدوق: ص ٣٦٦. و البحار: ج ٥ ص ١٥٧ رقم ١٠.
[٢] عبس: ٢٠.
[٣] قرب الاسناد: ص ١٥١. و البحار: ج ٥ ص ٥٤ رقم ٣.