التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣ - لما ذا في القرآن متشابه؟
التعبير عنه بعبارة يفهمها كلّ أحد، ففيها من المعاني العالية، و الحكم الدقيقة ما يفهمه الخاصّة، و لو بطريق الكناية و التعريض، و يؤمر العامّة بتفويض الأمر فيه إلى اللّه، و الوقوف عند حد المحكم، فيكون لكلّ نصيبه على قدر استعداده»[١].
و هناك عامل آخر كان ذا أثر بيّن في إيجاد التشابه في غالبية الآيات الكريمة، إذ لم تكن متشابهة من ذي قبل، و إنّما حدث التشابه فيها على أثر ظهور مذاهب جدليّة، بعد انقضاء القرن الأوّل الذي مضى بسلام، إذ كانت العرب أوّل عهدها بنزول القرآن تستذوقه بمذاويقها البدائية الساذجة، حلوا بديعا سهلا بليغا. أمّا و بعد ما احتبكت وشائج الجدل بين أرباب المذاهب الكلامية، منذ مطلع القرن الثاني، فقد راج التشبث بظواهر آيات تحريفا بمواضع الكلم، و من ثمّ غمّها نوع من الإبهام و الغموض الاصطناعيّين، و أخذت كلّ طائفة تتشبّث بما يروقها من آيات، لغرض تأويلها إلى ما تدعم به طريقتها في اختيار المذهب!.
و لا ريب أنّ القرآن حمّال ذو وجوه- كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام- لأنّه كما ذكرنا يعتمد في أكثر تعابيره البلاغية على أنواع من المجاز و الاستعارة و التشبيه، فأكسبه ذلك خاصية قبول الانعطاف في غالبية آياته الكريمة، و من ثمّ نهى الإمام عليه السّلام عن الاحتجاج بالقرآن تجاه أهل البدع و الأهواء، لأنّهم يعمدون إلى تأويله بلا هوادة.
قال عليه السّلام لابن عباس لما بعثه للاحتجاج على الخوارج: «لا تخاصمهم بالقرآن، فإنّ القرآن حمال ذو وجوه، تقول و يقولون. و لكن حاججهم بالسنّة فإنّهم لن يجدوا عنها محيصا»[٢].
[١] تفسير المنار: ج ٣، ص ١٧٠. و هو ثالث وجوه ذكرها بهذا الصدد.
[٢] نهج البلاغة: ج ٢، ص ١٣٦ من الكتب و الوصايا رقم: ٧٠.