التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٧ - خاتم النبيين
و قال: وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ، وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً[١].
و قال هو (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيما أمره تعالى أن يقول: وَ إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ[٢].
هذا هو معنى ضلاله (صلّى اللّه عليه و آله) و حاجته الذاتية إلى هدى ربه، و لو لا هديه تعالى لكان من الضالين.
و إلى هذا المعنى ينظر قوله تعالى- في مفتتح سورة يوسف-: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ، بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ، وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ. حيث علمه (صلّى اللّه عليه و آله) مستمد من فيض قدس تعالى، و انه انما يعلم ما علمه اللّه.
و الغفلة في هذه الآية هو الضلال في سائر الآيات، و هو عدم المعرفة بالشيء ذاتيا. و لعل في التعبير بالغفلة مناسبة مع المبدأ القائل بأن العلم تذكر، فتنبه!*- و منها قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ، وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً[٣].
ما هذا الذنب الذي تشير اليه الآية الكريمة؟
قلنا: ان من شأن كل قائم باصلاح، و خارج على مساوي عادات قوم هي مألوفة عندهم، ان يعرض بنفسه لتعييرهم و التشنيع به، و يرون من عمله ذلك خطيئة كبيرة خالف بها مقومات وجودهم الموروثة عبر الأجيال، فكأنه يحاول تحطيم كيانهم و الانهيار بقوميتهم، و لا سيما الكبراء زعماء القوم، يخشون على مصالحهم في البلاد، فينظرون اليه كمذنب عارم و قيح.
لكنه ريثما يتغلب على الموانع و يرفع الحواجز عن طريقه و يبلغ قمة الفوز
[١] النساء: ١١٣.
[٢] سبأ: ٥٠.
[٣] الفتح: ١- ٢.