التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٩ - مسألة السعادة و الشقاء
حيث وجدني جادا في طلب السعادة، فساعدني برحمته، وفق وعده الحتم وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا.
و الخلاصة، ان معنى «لم يجعلني جبارا شقيا»: انه تعالى علم مني الرغبة في التخضع و البلوغ الى عزّ السعادة، فساعدني على ذلك و زاد في توفيقه حتى بلغتها بعنايته تعالى.
و الجعل و ان كان بمعنى التكوين، لكن حيث كانت أصل الهداية إلى طرق السعادة، و كذا المعونة على الوصول إليها، حاصلة بفعله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ صحت نسبة تكوين شخصية الانسان المهتدية السعيدة إلى اللّه عزّ شأنه. فكأن شخصيته الخاصة متكونة بفعله تعالى، حيث جميع اسباب تكوينها و الاهتداء إلى طرق تكوينها، كانت ممهدة من جانبه تعالى، الأمر الذي لا يستعدي جبرا و لا اكراها على هداية أو ضلال.
هذا أحد التأويلين في الآية الكريمة.
و هناك تأويل آخر أشار اليه شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي- قدّس سره الشريف- قال: «و لم يجعلني جبارا» أي لم يحكم علي بالتجبر و الشقاء[١].
و هذا كقولهم: جعله سارقا أي حكم عليه بأنّه سارق، بمعنى انه علم منه ذلك أو ثبت لديه انه سارق و من ثمّ ابدى رأيه بشأنه ليكون معنى الآية على هذا التأويل: انه تعالى لما علم منه الخير و الصلاح في الآجل، حكم عليه انه من السعداء الاتقياء. أي ابدى علمه بشأنه.
و أخيرا فلو كانت السعادة و الشقاء من فعله تعالى المباشري أو التسبيبي[٢] من غير أن يكون لارادة العبد و اختياره الخاص مدخل في تحصيلهما و اكتسابهما لم يكن موضع لمدح السعيد على سعادته، و لا مجال لتوجيه اللائمة إلى الأشقياء.
في حين ان جميع ما قاله عيسى (عليه السلام) بهذا الصدد، كله تحدّ و فخار، في
[١] تفسير البيان: ج ٧ ص ١١١.
[٢] حسبما قاله الفخر في آخر كلامه المتقدم.