التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٦ - الوجه
لنتعرض لما تشبثوا به من أحاديث.
الوجه:
ذكر «الوجه» مضافا إليه تعالى في القرآن في أحد عشر موضعا، في البقرة:
١١٥ و ٢٧٢. و الانعام: ٥٢. و الرعد: ٢٢. و الكهف: ٢٨. و القصص: ٨٨.
و الروم: ٣٨ و ٣٩. و الرحمن: ٢٧. و الانسان: ٩. و الليل: ٢٠. و ليس واحد من هذه المواضع مرادا به العضو الذي فيه الأنف و العينان. بل أمّا بمعنى الذات أو بمعنى القصد أو التقرب و الزلفى لديه تعالى، و لا يمكن إرادة الوجه بمعنى العضو المعروف بتاتا:- قال تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ[١]. و قال: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ[٢]. ليس المعنى أنّ الباقي بعد فناء كلّ شيء هو وجهه بمعنى العضو، بل المراد: لا يبقى شيء سوى ذاته المقدسة تبارك و تعالى، أي كلّ شيء هالك إلّا هو. فجاء الوجه في هاتين الآيتين بمعنى الذات لا غير. و نستغرب كيف فسر الأشعري و تابعوه «الوجه» في الآية بمعنى العضو! في حين أنّ هذا التفسير تحريف واضح بمدلول الآية الظاهري، يعرفه كلّ من ألقى إلى الآية نظرته و لو بدوية. نعم قد يخفى ذلك على من كان على بصره غشاوة.
و قال تعالى: وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ[٣]. أيضا بمعنى ذاته المقدسة، المحيطة بهذا العالم احاطة علم و تدبير، لا يخلوا منه مكان و لا يحويه مكان دون مكان. و الآية رد على اليهود كانت تزعم أنّ الصلاة تجب إلى البيت المقدس كما كانت قبل تحويل القبلة إلى البيت الحرام، و قامت تعير على المسلمين هذا التحويل المفاجئ: ان كان الاتجاه إلى البيت المقدس اتجاها
[١] القصص: ٨٨.
[٢] الرحمن: ٢٦- ٢٧.
[٣] البقرة: ١١٥.