التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٩ - مسألة الأمر بين الأمرين
بقاء حسب الآنات باستمرار.
فكل قوة من القوى الطبيعية إذا أثرت في شيء، فإنّ هذا التأثير يعود إلى إذنه تعالى، حيث أمدّها بخاصية ذلك التأثير في نفس الوقت و لولاه لما أمكنها التأثير اطلاقا. قال تعالى- بشأن تأثير سحر السحرة-: وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ[١]. حيث الساحر يسخر خواص الأشياء في سحره، لكن هذه الخواص مما أودعها اللّه في ذوات الأشياء، إن لم يشأ لم يمدّها فينقطع أثرها، غير أنّ سنته تعالى جرت في امداد القوى و ان كانت مستخدمة في تأثير الفساد في الأرض. و هكذا قوله تعالى: وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ[٢]. و قوله: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها[٣].
حتى أنّه تعالى ليضيف فعل العباد إلى إذنه وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي[٤] حيث خاصية تشكل الطين و تماسك أجزاءه، مما أودعها اللّه في الطين و لم يزل يمده بهذه الخاصية أبديا و لم يكن من عيسى (عليه السلام) سوى جعل أجزاء الطين على بعضها في نسبة معينة، أمّا نفس التماسك فكان بفعل اللّه، كما أنّ نفس عمل عيسى- أيضا- كان باقداره تعالى و افاضته القدرة عليه آنذاك، و من ثمّ كان جميع ما وقع إنّما وقع بإذن اللّه.
و أقرب ما يمثل هذه القاعدة في مثل المقام، إنّك إذا عرضت يدك للنار، فإنّها تحترق. و لكن هذا الاحتراق لا يكون إلّا بإذن اللّه، فاللّه هو الذي أودع النار خاصية الحرق، و لا يزال يمدها بتلك الخاصية، كما أودع يدك خاصية الاحتراق بالنار. و لا يزال يمدها بتلك الخاصية، و هو قادر على أن يوقف تلك الخاصية حين لا يمدها و لا يأذن، لحكمة خاصة يريدها، كما فعل في قصة ذبح
[١] البقرة: ١٠٢.
[٢] الاعراف: ٥٨.
[٣] إبراهيم: ٢٤- ٢٥.
[٤] المائدة: ١١٠.