التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٠ - مسألة القضاء و القدر
و قصرهما على مرّ الايام و الدهور. و هكذا قوله: قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ[١] أي تعينت فيها مقادير السير ليل نهار.
و أمّا قوله تعالى: إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ[٢]، فقد تقدّم أن المعنى: علمنا من شأنها أنها من الباقين الهالكين.
و يتلخص معنى «القدر» في «تقدير الشيء و هندسته هندسة تامة».
و على ضوء هذا البيان نستطيع تلخيص القول في مسألة القضاء و القدر بما يلي:
«إنّه تعالى إذا تعلّقت ارادته بخلق شيء و تكوينه أو تشريع حكم و نفاذه، فانه يقدره أولا تقديرا، ثم يقضي بوجوده و ينفذه تنفيذا». و من ثمّ فكان الأجدر ان يقال القدر و القضاء. لان القدر- على هذا البيان- متقدم على القضاء و النفاذ.
و عليه فقضاء اللّه بالنسبة إلى أفعاله الخاصة، هو خلقها و ايجادها تكوينا:
إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٣]. و بالنسبة إلى أفعال العباد هو امره و الزامه تكليفا: وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ[٤] أي أمر تكليفا و اوجب ذلك. وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ[٥]. أي حكم و شرّع. فالمؤمن تجاه أحكام الشريعة مستسلم لا رأي له سوى الطاعة و الامتثال. و هذا لا يعنى سلب قدرته و إنّما هو بعث على التسليم المحض.
و هكذا قدره تعالى هو تقديره لما يريد انفاذه من خلق أو تشريع. أي علمه بما يحتوي عليه من صلاح أو فساد، فيوجده تكوينا أو يأمر به تكليفا، وفق ذلك الملاك الواقعي الكامن وراء الأشياء و التكاليف.
[١] سبأ: ١٨.
[٢] الحجر: ٦٠.
[٣] آل عمران: ٤٧.
[٤] الاسراء: ٢٣.
[٥] الاحزاب: ٣٦.