التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٣ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
أو يهتدي إلى المحجة البيضاء بين محتلكات المسالك في هذه الحياة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ[١].
١٠٥- ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَ ما كانُوا يُبْصِرُونَ[٢]. قالت الأشاعرة: الآية تدل على أنّه تعالى هو الذي لم يقدر الكافر على الايمان، فلم يستطع السمع و لا تمكن الابصار.
و الجواب: أنّ هذه الآية توبيخ و لا توبيخ على العاجز. بل الذي حجز قلوبهم دون نفوذ الحق فيها، هو القسوة و الجفاء الذي اكتسبته قلوبهم على أثر الخطايا و الذنوب، فصدهم عن ذكر اللّه الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً[٣].
ذلك أنّ المؤمن- حيث رغبته في الاهتداء- يسطيع ان يستمع إلى دلائل الهدى و الارشاد، بسهولة و يسر. و أمّا الفاسق العاتي، فان نفسه لا تطاوعه للانصات إلى دعوة الحق، صم بكم عمي فهم لا يعقلون.
١٠٦- وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[٤].
الاغواء في هذه الآية هو الخذلان و سلب التوفيق على أثر معاندتهم مع الحق، و متى بلغ الانسان هذه المرتبة من الجفاء العارم، و سلب عنه التوفيق بما كسبت يداه، فلا موضع في قلبه لنفاذ النصح و الارشاد. فمعنى «يريد أن يغويكم»: «لا يريد أن يهديكم» لعدم صلاحية في المحل و عدم استعداده للتلقي و القبول.
و الدليل على ذلك قولهم: يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ[٥]. فهذا من التعنت و اللجاج تجاه الحق بما
[١] الاعراف: ٤٣.
[٢] هود: ٢٠.
[٣] الكهف: ١٠١.
[٤] هود: ٣٤.
[٥] هود: ٣٢.