التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٦ - مسألة السعادة و الشقاء
مسألة السعادة و الشقاء:
من المسائل المستعصية في الاصول هي مسألة «السعادة و الشقاء»: هل السعيد من كتبت له السعادة في الأزل، و الشقي من كتب له الشقاء في بطن أمّه و قبل ان يولد؟! إذن فما موقف السعيد من سعادته، و موقف الشقي من شقائه؟ إذا كانت السعادة و الشقاء أمرين خارجين عن اختيار المكلّف ذاته، و انما هما مفروضان عليه، رغم ارادته و مساعيه في هذه الحياة؟! قلت: «السعادة» قد تطلق و يقصد بها معنى نفسي، و هي حالة استقامة للنفس تجعلها ترغب- دائما- في الخير و في مناشئ الصلاح، و لا تميل في ذاتها إلى شرّ أو فساد. و في مقابلة ذلك «الشقاء» حالة نفسية منحرفة تميل بها إلى الشر و الفساد و لا ترغب في خير و لا في صلاح. و تسمى هذه الحالة بالخباثة النفسية، و صاحبها «شقي» أي «خبيث»[١]. كما تسمى الحالة الاولى بطيب النفس، و صاحبها «سعيد» أي «طيب النفس».
و للسعادة و الشقاء معنى آخر يرتبط و حالة الانسان الظاهرية مما يمس عيشته في هذه الحياة. إذ تكون السعادة حينذاك بمعنى الرفاه في العيش، و الشقاء بمعنى العناء أي الضيق و الشدة في الحياة.
قال تعالى: طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى أي لتضيق على نفسك
[١] كما في قوله تعالى: وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا- مريم: ٣٢. و قوله: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها، إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها- الشمس: ١١- ١٢.