التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٠ - الجبرية
المقدور الواحد لا يدخل تحت قدرتين مستقلتين، قلنا: لا كلام في قوّة هذا الكلام و متانته، إلّا أنّه لما ثبت بالبرهان أنّ الخالق هو اللّه تعالى، و بالضرورة انّ لقدرة العبد و إرادته مدخلا في بعض الأفعال كحركة البطش، دون البعض كحركة الارتعاش، احتجنا في التفصي عن هذا المضيق إلى القول بأنّ اللّه خالق، و العبد كاسب. و تحقيقه: ان صرف العبد قدرته و إرادته إلى الفعل كسب، و ايجاد اللّه تعالى الفعل عقيب ذلك خلق، و المقدور الواحد داخل تحت قدرتين، لكن بجهتين مختلفتين، فالفعل مقدور اللّه تعالى بجهة الايجاد، و مقدور العبد بجهة الكسب، و هذا القدر من المعنى ضروري، و ان لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق اللّه و ايجاده، مع ما للعبد فيه من القدرة و الاختيار»[١].
انظر إلى هذا التلوّي في التخريج، في حين أنّ مذهبهم في الاستطاعة صراحة في الجبر، و أنّ اللّه تعالى مستقل في إرادته في ايجاد أفعال العباد، و لم يبينوا ما إذا كان اللّه مستقلا في ايجاد أفعال العباد، فما موضع تأثير قدرة العبد و إرادته الخاصة؟ هذا شيء أعجزهم عن الاجابة الوافية، و جعلهم في مأزق مظلم لا يدرون أين وجه المخرج.
و إليك من عبارات «الأشعري» الصريحة في الجبر و سلب قدرة العبد على الاختيار.
قال: «و انّ الأشياء تكون بمشيئة اللّه عزّ و جلّ، و انّ أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله اللّه، و لا يستغنى عن اللّه، و لا يقدر على الخروج من علم اللّه عزّ و جلّ، و ان لا خالق الا اللّه، و انّ أعمال العباد مخلوقة للّه مقدّرة، كما قال تعالى: خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ.
قال: «و انّ اللّه وفق المؤمنين لطاعته و لطف بهم و نظر إليهم و أصلحهم
[١] شرح العقائد النسفية للتفتازاني: ص ٦٥- ٦٦ طبعة كابل- افغانستان.