التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٥ - مسألة الاستطاعة
مسألة الاستطاعة:
من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأشاعرة و أهل العدل، هي مسألة «الاستطاعة»: هل للعبد قدرة على اختيار ما يريد و ترك ما يكره، أم ليس له اختيار لا على فعل و لا على ترك، و إنّما هو مضطر على الفعل أو الترك وفق ما أراد اللّه.
و بعبارة أوجز: هل للعبد إرادة فيما يوجده من أفعال، أم لا إرادة له، و انّما يفعل ما يفعل بارادة اللّه، كآلة صماء في يد الفاعل المختار، و هو اللّه الواحد القهار؟.
ذهب أهل الجبر- و في مقدمتهم أبو الحسن الأشعري- إلى سلب اختيار العباد، و إنّما هي إرادة اللّه مسيطرة على عالم الوجود، فلا يقع فعل و لا يتحقق عمل من الاعمال إلّا بإرادته تعالى، لا مدخل لاختيار العباد و إرادتهم، بل لا اختيار لهم و لا إرادة.
و لشناعة هذا المذهب و بداهة بطلانه، ابتدع الأشعري مسألة هي مسألة «الكسب» قال: ليس للعباد اختيار فيما يفعلونه، و إنّما لهم اكتساب في الأفعال، بسبب الإرادة الحادثة.
قالوا: هناك إرادتان، قديمة و حادثة، فارادة اللّه القديمة هي العلّة الأصلية لوقوع ما يقع من أفعل و أعمال، و ان كانت منسوبة الى العباد، و هذه النسبة انّما جاءتهم من قبل إرادتهم الحادثة، حيث إنّهم أرادوا فعل شيء أو تركه، و هذه الارادة و ان كانت لم تؤثر في وقوع ما وقع، لكنها صارت سبب هذا الانتساب، و من ثمّ كانت نسبة الافعال إلى العباد نسبة اكتساب، فهم مكتسبون لها بسبب إرادتهم هذه الحادثة تجاه إرادة اللّه القديمة التي هي العلة و السبب، و سابقة على ارادات العباد. و عليه فالعباد مكتسبون لافعالهم و ليسوا مختارين فيها، و بذلك قال: إنّ لارادة العباد تأثيرا ما، و أراد جهة الاكتساب