التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٢ - الاستهزاء و الخديعة
و ثانيا: لأنّه متحمّل صعوبة التكليف مع فقد العقيدة الميسّرة.
و ثالثا: عيشته القلقة لا يغمض جفنيه عن ارتياح نفسي أبدا، خوف الفضح و انكشاف واقعه الخبيث.
و هكذا صحّ التعبير بالاستهزاء لهم. انهم يحاولون الاستهزاء بالمؤمنين غير أنّ اللّه هو الذي يستهزئ بهم باقرارهم على اسلامهم الظاهري فيحمّلهم تكاليف الاسلام الشاقّة عليهم بالذات، في حين ارعابهم بين حين و آخر بفضج دسائسهم و مكائدهم بين الاشهاد، و جعلهم في اضطراب نفسي دائم، و في الآخرة لهم عذاب أشدّ و أبقى.
فالتعبير بالاستهزاء من جانبه تعالى تعبير مجازيّ، رعاية للمشاكلة اللفظية التي هي من فنون البديع، و لأنّه تعالى يفعل بهم ما يشبه فعل المستهزئين، حيث يدعهم يخبطون على غير هدى، في طريق لا يعرفون غايته، و اليد الجبارة تتلقفهم في نهايته. قال سيد قطب: كالفئران الهزيلة تتواثب في الفخ، غافلة عن المقبض المكين. و هذا هو الاستهزاء الرعيب، لا كاستهزائهم الهزيل الحقير.
وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ[١].
انها معاكسة طبيعية تجابههم في أشدّ وقعتها «خذ الغايات و اترك المبادئ» انه تعالى و ان كان لا يخدع أحدا و لا يستهزئ بأحد، لكنّه يردّ كيد الخائنين في نحورهم و يجعل من الواقعية بحيث تعاكس أهدافهم و تخيب آمالهم الى ما يناقضها في نهاية المطاف.
قال الزمخشري: معنى استهزائه تعالى بهم انزال الهوان و الحقارة بهم لأنّ المستهزئ غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة و الزراية ممن يهزأ به، و ادخال الهوان
[١] البقرة: ١٤- ١٥.