التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٠ - الختم و الطبع
فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ، و ملحقة بقوله: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَ اسْتَغْفِرُوهُ وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ[١]. فلولا أنّه من صنيع أنفسهم بالذات لما صحّ تكليفهم و لا توجيه الملامة و التوبيخ اليهم، لو كانوا غير قادرين على الايمان و اتيان الاعمال الصالحة! ١٩- و هكذا قوله تعالى: وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ تعبير تعنّتي، تهكّما بمقام الانبياء العظام، و من ثمّ جابههم تعالى بقوله: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ[٢].
٢٠- و قال: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ، وَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وَ قَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ (تهكما) بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ، فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا. وَ بِكُفْرِهِمْ وَ قَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً. وَ قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ...[٣].
هذه الآية عددت كبائر آثام ارتكبوها، مضافة إلى تهكّمهم اللئيم و عقيدتهم الكاذبة في الجبر- كاخوانهم الأشاعرة- و من ثمّ ردّ عليهم تعالى بأنها الخطيئات و الاجرامات حالت بينهم و بين نفوذ دعوة الحقّ في قلوبهم العاتية.
٢١- و قال تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ[٤]. و قد تقدّم (ص ٢٣٩- ٢٥٥) الكلام في هذه الآية بتفصيل. و نظيرتها الآية التالية:
٢٢- وَ ما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ (أي نحول بينهم و بين إدراكاتهم الانسانية النبيلة ليتحولوا إلى جمادات أو حيوانات بهم) كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ (فكان اعراضهم عن الحق و عنادهم على الغي و الضلال هو السبب لهذا الخذلان و الحرمان عن رحمته تعالى و لطفه
[١] فصلت: ٦.
[٢] البقرة: ٨٨.
[٣] النساء: ١٥٥- ١٥٧.
[٤] الانفال: ٢٤.