التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٤ - الرجل و القدم
تحت قدمه، و ليس المراد حقيقة القدم، و العرب تستعمل ألفاظ الاعضاء في ضرب الامثال و لا تريد أعيانها، كقولهم: «رغم أنفه» و «سقط في يده» و نحو ذلك[١] و ذكر تأويلات آخر لا بأس ببعضها، فراجع.
و أمّا ما ذكره الأشعري من وجوب الوقوف عند ظاهر اللفظ حتى يقوم دليل على خلافه، فحق. لو لا ما يبدو عليه من التواء في الكلام، إذ حجية ظواهر الكلام مما ثبتت في الاصول، و هو اصل من اصول العقلائية، و عليه بنيت مجاري الافادات و الاستفادات لدى أهل المحاورة من جميع الأعراف العامة و الخاصة.
لكن هذا فيما لم يقم دليل من عقل أو نقل قطعي يصلح قرينة صارفة لظاهر الكلام، و عند ذلك تكون القرينة هي الحجة القاطعة دون أصل وضع الكلمة اللغوي. هذا صحيح، غير أنّ أمثال الأشعري إنّما تفوهوا بهذا الكلام تمويها و تدليسا على العوامّ، إذ لم يتعرض أهل العدل و التنزيه لتأويل كلّ ظاهر من الكلام، سوى ما قام دليل قاطع على إرادة خلاف ظاهره من عقل رشيد أو محكم في الكتاب و السنة.
و قد تقدم الفارق بين الأشاعرة الذين يؤوّلون المحكم على حساب المتشابه كتأويل الأشعري «لا تدركه الأبصار» على حساب التحفظ على ظاهر «إلى ربّها ناظرة» و أهل العدل الذين يؤوّلون المتشابه على حساب المحكم، و كم بين الطريقتين من فرق واضح، و كم ابتعدت الأشاعرة عن منهج الاستقامة في استنباط المفاهيم الاسلامية العريقة، لان الابتعاد عن منهج العقل ابتعاد عن صميم الاسلام، فضلا عن استدعاء منهج الأشعري تشويها لمبادئ الاسلام و اصوله الضافية، و ذلك حط من كرامة هذا الدين و تحريف بمواضع الكلم، و ذنب لا يغفر.
[١] فتح الباري: ج ٨ ص ٤٥٧. و راجع: مشكل الحديث لابن فورك: ص ٤٤.