التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩ - هل يعلم التأويل إلا الله؟
و من ثمّ قد يستشم نوعية المخبر به من نفس عنوان المخبر عنه، قبل أن ينطق بالمخبر به، كما في قول الشاعر:
|
ان الذي سمك السماء بنى لنا |
بيتا دعائمه أعزّ و أرفع |
|
فقد لمسنا عظمة المخبر به و رفعة شأنه من عنوان «سامك السماء» الذي جاء في الموضوع.
و عليه فعنوان «الراسخون في العلم» بنفسه يستدعي أن يكون المنسوب إليهم من جنس ما يتناسب و المعرفة الكاملة، أمّا الإيمان الأعمى فلا مناسبة بينه و بين الرسوخ في العلم.
و عليه فرعاية هذه المناسبة هي التي تستدعي وجوب التشريك، ليكون الراسخون في العلم- أيضا- عالمين بتأويل المتشابهات.
و اعترض بأنّ مقتضي التشريك هو تساوي العلماء مع اللّه و لو في هذه الجهة الخاصة، و قد قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
و اجيب بأنّ شرف العلم هو الذي رفعهم إلى هذه المنزلة المنيعة، كما في آية اخرى: «شهد اللّه أنّه لا إله إلّا هو و الملائكة و اولوا العلم قائما بالقسط»[١].
و اعتراض آخر: ما ذا تكون موقعية قوله: «يقولون آمنّا به ...» إذا ما اعتبرنا «و الراسخون» عطفا على «إلّا اللّه»؟
و الجواب: أنّها جملة حالية موضعها النصب حالا توضيحيا من الراسخين.
قال الزمخشري: «و يقولون، كلام مستأنف موضح لحال الراسخين»[٢] و مقصوده من الاستئناف نفي رابطة الإسناد الخبري بينه و بين الراسخين.
و هكذا صرّح ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص ٧٢، و أبو البقاء العكبري في املاء ما منّ به الرحمن ج ١، ص ١٢٤، و الشريف المرتضى في اماليه ج ١، ص ٤٣١- ٤٤٢ المجلس ٣٣، و الزركشي في البرهان ج ٢، ص ٧٣، و العلّامة
[١] آل عمران: ١٨.
[٢] الكشاف: ج ١، ص ٣٣٨ ط بيروت.