التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٧ - الوجه
إلى اللّه- كما كان من ذي قبل- فالاتجاه إلى الكعبة اتجاه إلى غيره تعالى. و ان كان الاتجاه إليه هو الاتجاه إلى الكعبة، فالاتجاه السابق كان إلى غيره تعالى هذا هو الاعتراض الذي وجهه اليهود إلى المسلمين. سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها[١].
فجاءت الآية الكريمة ردا حاسما على هذا الاعتراض، انّه تعالى لم ينحصر في جهة أو مكان، قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ[٢]. وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ[٣]. أي أنّ الجهات كلها للّه و تحت ملكه، لا يختصّ به مكان دون مكان، و إنّا كانت النسبة إليه تشريفية محضة، فإن كان اللّه أمركم بالاتجاه إلى البيت المقدس، لم يكن ذلك لسبب غير التشريف و الاعتبار، لا لأنّه مكانه الخاص أو أنّه تعالى حالّ فيه جل شأنه. فهكذا اقتضت المصلحة تحويل هذا الاتجاه العبادي إلى الكعبة و هو بيت اللّه العتيق، له نسبة تشريفية قديمة اليه تعالى، لا لشيء آخر سواه. وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، وَ إِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ[٤].
فقوله: «فثمّ وجه اللّه» يعني: أينما اتجهتم في عباداتكم فثمّ اتجاه إلى اللّه تعالى، لأنّه هو المقصود بالعبادة الخالصة لوجهه الكريم. و إنّما جاء الأمر باتجاه خاص، لمصلحة في ذلك، ربما كانت وحدة الاتجاه العبادي لجميع المسلمين في عامة عباداتهم، الأمر الذي كان يشد من وحدتهم في سائر الامور.
و قال تعالى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً[٥]، أي لقصده، و ان ليس المقصود من هذا الاحسان سوى التقرب و الزلفى لديه تعالى، فهو المقصود بالذات لا المكافئة و لا الثناء. و هكذا قوله:
[١] البقرة: ١٤٢.
[٢] البقرة: ١٤٢.
[٣] البقرة: ١١٥.
[٤] البقرة: ١٤٣.
[٥] الانسان: ٩.