التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٢ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
و يتخذه إلهه من دون اللّه أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا[١]. على أنه فيه مختار، فلا جبر و لا اضطرار.
و يقابل هذا من الحيلولة ما حكى بعضهم عن نفسه، انّه كان منهمكا في شهواته و لهوه، تاركا لهداه و طاعة ربه. فنزل يوما في زورق مع خلان له في نهر دجلة للتنزه، و معهم النبيذ و المعازف فبيناهم يعزفون و يشربون، إذ التقوا بزورق آخر فيه تال للقرآن يرتل سورة إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ فوقعت تلاوته من نفسه موقع التأثير و العظة: فاستمع له و أنصت، حتى إذا بلغ قوله: وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ امتلأ قلبه خشية من اللّه و تدبرا، لاطلاعه على صحيفة عمله يوم يلقاه، فأخذ العود من العازف فكسره و ألقاه في دجلة، و ثنى بنبذ قناني النبيذ و كئوسه فيها، و صار يردد الآية. و عاد إلى منزله تائبا من كلّ معصية، مجتهدا في طاعة ربه.
فتذكير اللّه تعالى ايانا بهذا الشأن من شئون الانسان، و هذه السنة القلبية من سنن اللّه تعالى في الارادات و الأعمال، و أمره ايانا بأن نعلمها علم ايقان و اذعان، يفيدنا فائدتين لا يكمل بدونهما الايمان، احداهما: أن لا يأمن الطائع من مكر اللّه فيغتر بطاعته و يعجب بنفسه. و الثانية: ان لا ييأس العاصي من روح اللّه، فيسترسل في اتباع هواه، حتى تحيط به خطاياه. فمن لم يأمن عقاب اللّه، و لم ييأس من رحمة اللّه، يكون جديرا بأن يراقب قلبه، و يحاسب نفسه على خواطره مجتنبا الافراط و التفريط، بين خوف يحجزه عن المعاصي، و رجاء يحمله على الطاعات[٢].
و يتلخص هذا المعنى في أن في القلب نقطة تحولات مفاجأة، قد تشرق على تائه الطريق بغتة، فتعطف به إلى المحجة البيضاء بعد مرارة و شقاء. كما أنّها قد تنطفي على سالك الطريق فتنجرف به إلى مزالق ردى و هلاك بعد سعادة
[١] الفرقان: ٤٣.
[٢] الشيخ محمد عبده- في تفسير المنار-: ج ٩ ص ٦٣٤- ٦٣٥.