التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٥ - الرؤية
تفصيل، و حاربوا الأنظار الوضعية التي تثبت للّه تعالى جسما، له وجه و يدان و عينان، و له جهة هي الفوقية و أنّ له عرشا يستوي عليه، و أنّه يرى بالأبصار، و أنّه خلق آدم بيده، إلى آخر ما قالته الأشاعرة و أذنابهم من المشبهة و الكرامية- حسبما تقدم- فأتى أهل العدل و سموا على هذه الأنظار، و فهموا من روح القرآن تجريد اللّه عن المادية، فساروا في تفسيرها تفسيرا دقيقا واسعا، و أوّلوا ما يخالف هذا المبدأ، و سلسلوا عقائدهم تسلسلا منطقيا. فإذا كان اللّه تعالى ليس مادة، و لا مركبا من مادة، فليس له يدان و لا وجه و لا عينان، لأنّ ذلك يدل على جزء من كلّ، و اللّه تعالى ليس كلا مركبا من أجزاء، و إلّا كان مادة. و إذا كان كذلك فليس تدركه عيوننا التي خلقت، و ليس قدرتها إلّا أن ترى ما هو مادة، و ما هو في جهة، و هكذا ساروا في هدى العقل جريئين، و يقررون ما يرشد إليه في شجاعة و إقدام. و هم أمام النقل يسلمون ما يوافق منها البرهان العقلي و يؤولون ما يخالفه بكل صراحة، من غير خوف من النتائج مهما كانت، متى اطمأنوا إلى أنهم يسايرون العقل، فالعقل هو الحكم عندهم بين الآيات المتشابهات، و هو الحكم على الحديث، ليقرر عدم صحته ان لم يوافق العقل و لم يحتمل التأويل[١] و هم انّما يؤولون المتشابه على حساب تحقيق المحكم من العقل و النقل، على عكس الأشاعرة، الذي يعمدون إلى تأويل المحكم على حساب التحفظ على ظاهر المتشابه، كما تقدم تأويل أبي الحسن الأشعري قوله تعالى:
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ على حساب التحفظ على ظاهر قوله تعالى: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ. هذا هو الفارق الاساسي بين الفريقين- فريق أهل العدل و التنزيه، و فريق أهل السنة و الجماعة- حسب تعبيرهم هم.
و قد فصل الكلام- في نفي رؤيته تعالى- القاضي عبد الجبار في كتابه:
[١] راجع: ضحى الاسلام للاستاذ أحمد أمين: ج ٣ ص ٦٨- ٦٩.