التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤ - حقيقة التأويل
علمه تعالى هو مصدر الكتاب و أصله المتفرع منه.
و قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ[١] يعني نفس هذا القرآن الذي بأيدي الناس، فهو في كتاب مكنون أي قدر له البقاء في علمه تعالى الأزليّ، و جاء هذا المعنى- صريحا- بتعبير آخر: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ[٢]. و قوله: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ يعني: لا يدرك كنه معناه، و لا يبلغ الاهتداء به على الحقيقة، إلّا الذين طهرت نفوسهم عن الزيغ و الانحراف ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ[٣].
و قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ أي عظيم شأنه فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ[٤] أي قدّر في علمه تعالى أنّه يبقى محفوظا عن كيد الخائنين و تحريف المبطلين، لا يمسّوه بسوء أبدا.
هذا .. و لعلّنا أوجزنا الكلام عن آيات تمسّكوا بها في المقام، لأنا اجلنا البحث عن دلائلها إلى مجال التفسير إن شاء اللّه.
ثمّ لنفرض أنّ وراء هذا القرآن الذي بأيدينا قرآنا آخر، ذا وجود مستقل فما هي الفائدة المتوخاة من ذلك، و هل هناك من يعمل به؟ أو أنّه مذخور ليوم آخر، كالطعام يدخر لأيّام الجدب، أو المال يكنز ليوم الحاجة و الافتقار! و أخيرا، فما الذي دعا هؤلاء إلى تسمية ذلك القرآن المذخور- فرضا- تأويلا و وجودا عينيا لهذا القرآن الحاضر؟ و هل يصح- إذا كان للشيء وجودان، وجود مبذول و وجود محفوظ- أن يطلق على وجوده الآخر عنوان التأويل لهذا الوجود؟!.
إن هذا إلّا كلام منبعث عن ذوق عرفانيّ بعيد عن مجالات الجدل و الاستدلال، نعم سوى استحسان عقلاني مجرد!.
[١] الواقعة: ٧٩.
[٢] الحجر: ٩.
[٣] البقرة: ٢.
[٤] البروج: ٢٢.