التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٨ - مسألة الحبط و التكفير
دائميان، كذلك لازمهما من الثواب و العقاب. قالوا: و لأنه اذا انقطع عقاب العاصي و دخل الجنة كان ذلك تفضّلا عليه، و لا تفضّل على المكلفين، و انما هو خاص بالأطفال و المجانين[١].
و بهذه الطريقة حاولوا اثبات الاحباط، لئلا يعود المعاقب على معصيته مثابا على طاعته، فينتقض دوام العقاب بشأنه، كما يكون ثوابه المتأخر تفضلا فيما زعموه. و هذان مما يتحاشونهما البتة[٢].
قلنا: لا خلود في النار إلّا للكفار[٣]، أمّا العصاة من المؤمنين الذين احتفظوا بايمانهم حتى الممات فمرجون لأمر اللّه، إمّا يعذّبهم حسب استحقاقهم، عذابا يتناسب مع نوعية العصيان الذي ارتكبوه، و أمّا يتوب عليهم و اللّه عليم حكيم[٤].
قال تعالى- بشأن العصاة من المؤمنين-: وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[٥].
قوله: «اعترفوا بذنوبهم» اعترافا منبعثا عن ايمانهم باللّه، حيث المؤمن هو الذي يرى من أعماله السيئة عصيانا له تعالى، فهو دليل على احتفاظهم باصول الايمان، و ان كانوا قد ارتكبوا ما ارتكبوا من قبائح. الأمر الذي وفر عليهم من شرائط الغفران.
و أمّا قياس الثواب و العقاب بالمدح و الذم، ففي أصل الاستحقاق لا شكّ فيه. فمن استحقّ مدحا على عمل استحقّ ثوابا عليه، و كذا الذم و العقاب. أمّا قياس دوام أحدهما على دوام الآخر فلا موضع له، بعد أن كانت مرحلة
[١] راجع: شرح الاصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: ص ٦٦٦- ٦٦٧.
[٢] انظر نفس المصدر: ص ٦٢٤.
[٣] قال تعالى: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ لِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- العنكبوت: ٢٣ و نحن قد بحثنا عن جوانب مسألة الخلود في مجال التفسير.
[٤] مقتبس من الآية الكريمة ١٠٦ من سورة براءة.
[٥] التوبة: ١٠٢.