التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٧ - خيفة موسى
عصاه فاذا هي حية تسعى، قال: خُذْها وَ لا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى[١]. بل كانت خشية التمويه على العامة و التباس الحق عليهم بالباطل، عند ما رأي من عجيب فعل السحرة فَإِذا حِبالُهُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى[٢]. فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ[٣].
فأشفق (عليه السلام) ان يلتبس الأمر على العوام و لا يميزوا بين سحر السحرة و اعجازه حيث رأى من قوة التلبيس و التخييل، فخاف من وقوع الشبهة على من لم يمعن النظر. فأمنه اللّه تعالى من ذلك و بين له ان حجته ستتضح للقوم، بقوله: لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى، وَ أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا، إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى[٤]. الأمر الذي كانت نتيجته اخضاع السحرة: فَوَقَعَ الْحَقُّ وَ بَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَ انْقَلَبُوا صاغِرِينَ وَ أُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ. قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ. رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ[٥].
و قال تعالى: فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ- موسى- رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ، أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا، إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ، أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ[٦].
أ ليس يستشم من ذلك رائحة الاعتراض؟! و هكذا قوله تعالى: وَ قالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ[٧].
الجواب: كلا، بل هو استرحام و استعطاف، و سؤال عن مصلحة كادت
[١] طه: ٢٠- ٢١.
[٢] طه: ٦٦.
[٣] الاعراف: ١١٦.
[٤] طه: ٦٨- ٦٩.
[٥] الاعراف: ١١٨- ١٢٢.
[٦] الاعراف: ١٥٥.
[٧] يونس: ٨٨.