التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٩ - خيفة موسى
و قال تعالى: وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً، قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي، أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ، وَ أَلْقَى الْأَلْواحَ وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ. قالَ ابْنَ أُمَّ، إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي، فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَ لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي وَ أَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ[١].
و قال- أيضا-: فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً، قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً، أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي- إلى قوله- قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ، أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي، إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي[٢].
أ ليس هذا من ثوران الغضب و التسرع إلى أمر ربما كان لا يحمد عقباه؟! و الجواب: ان في ذلك الارتداد المفاجئ الغريب الذي حصل في بني اسرائيل في غيبة نبيهم أربعين صباحا لمثارا لأكثر من ذلك الغضب، و لا سيما في مثل موسى (عليه السلام) ذلك الرجل الغيور في اللّه، فقد وجد ان اتعابه كلها ذهبت أدراج الرياح بفترة قصيرة. و من ثمّ أخذ اليأس مأخذه من نفسه الكريمة و أخذته الحمية الالهية إلى الانتقام السريع من قوم الالداء. فأخذ يفتش عن العوامل التي دعت إلى ذلك التحول العظيم، غير المترقب، و الأيادي التي عملت في اضلال القوم و ارتدادهم إلى عبادة العجل.
فلأوّل وهلة و قبل كلّ شيء توجه إلى أخيه الذي استخلفه على قومه، و جعله رقيبا عليهم و مسئولا عن قيادتهم الحكيمة. وَ قالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ[٣].
فحسب ان هارون هو الذي تهاون بشأن القوم و لم يرقبهم تلك المراقبة
[١] الاعراف: ١٥٠- ١٥١.
[٢] طه: ٨٦- ٩٤.
[٣] الاعراف: ١٤٢.