التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٩ - هل في آيات الحبط عموم؟
العادة جارية ان من كلم غيره و رفع صوته فوق صوته، ان ذلك على وجه الاستخفاف به، فلذلك نهاهم عنه»[١].
و بعد فلعل الآية بذاتها ظاهرة فيما نقوله، و ان الحبط فيها يمس جانب رذيلة الاستخفاف بمقام النبيّ الكريم (صلّى اللّه عليه و آله)، المفضي في نهاية الأمر إلى الارتداد شيئا فشيئا، و إن كان صاحبه لا يشعر بذلك، حيث التعود عليه تدريجيا.
ذلك أنّ الانسان إذا ارتكب رذيلة مما لم يرتكبها من قبل، ندم عليها اشد الندم، لكنه إذا ارتكبها مرارا فان خشيته تقل و خوفه يتضاءل و لا يندم كندمه في البدء، و ربما أوجب التكرار عادة يعتادها الانسان من غير ان يحس بقبحها شيئا فشيئا. فعلى الانسان السائر في طريق التهذيب و الكمال ان يسد على نفسه أبواب المعاصي في أوائل أمرها، حيث الانقلاع في بدء الأمر هين و في الغضون صعب. و ربما ينتهي الأمر إلى ما لا يراه قبيحا أو ذنبا مستنكرا.
و عليه فلا شك ان رفع الصوت فوق صوت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الجهر له بالكلام بما يشبه الصياح، خلاف الأدب، و استهانة بمقامه الكريم، و هي رذيلة قبيحة تؤدي بصاحبها تدريجيا- إذا أصر عليها- إلى الاستخفاف به (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و استحقاره و التنزل بمقامه السامي إلى درجة العبيد و الارقاء- العياذ باللّه- الأمر الذي ينتهي في نهاية المطاف إلى استصغار مقام النبوة، و ربما إلى انكارها، و اعتبار النبيّ كأحدهم من سائر الناس، لا مزية له و لا منزلة شامخة، و هو في حد الكفر و الارتداد و ربما بلغه المرتكب لا عن شعوره.
يدل على ذلك شواهد من السورة نفسها:
أوّلا- قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ[٢]. كان أحدهم يتقدم على رسول اللّه في المشي استكبارا بنفسه
[١] تفسير التبيان: ج ٩ ص ٣٣٨.
[٢] الحجرات: ١.