التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٩ - إرادة تكوينية و إرادة تشريعية
قال الشيخ أبو عبد اللّه المفيد: إنّ إرادة اللّه تعالى لأفعاله هي نفس أفعاله، و إرادته لأفعال خلقه أمره بالأفعال، و بهذا جاءت الآثار عن أئمة الهدى من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و هو مذهب سائر الامامية إلّا من شذ منها عن قرب[١] و فارق ما كان عليه الاسلاف. و إليه يذهب جمهور البغداديين من المعتزلة و أبو القاسم البلخي خاصة و جماعة من المرجئة[٢].
و روى ثقة الاسلام الكليني عن صفوان بن يحيى، قال: قلت لأبي الحسن
[١] شاع تفسير الارادة بالعلم بالمصلحة الداعية، في عصر متأخر عن الشيخ المفيد، و من ثم اعتبروا الارادة صفة ذاتية، و لم يعتبروها من صفات الافعال. راجع: تجريد الاعتقاد للطوسي بشرح العلامة الحلّي، بحث الالهيات- المسألة الرابعة: ص ١٥٩ ط الهند. و شرح الباب الحادي عشر للفاضل المقداد في الصفة الرابعة، اختار مذهب الحسن البصري قال: هي عبارة من علمه تعالى بما في الفعل من المصلحة الداعية الى ايجاده: ص ٢٩ ط ١٣٩٥ ه.
و من ثم قال العلامة المجلسي في ذيل الرواية: اعلم ان إرادة اللّه تعالى- كما ذهب اليه اكثر متكلمي الامامية- هي العلم بالخير و النفع و ما هو الاصلح، و لا يثبتون فيه تعالى وراء العلم شيئا.
بحار الأنوار: ج ٤ ص ١٣٧.
و اعترض عليه السيد الطباطبائي في الهامش، بأن الذي ذكروه انما هو في الارادة الذاتية، التي هي عين الذات- ان صح تصويرهم لذلك- و اما الارادة التي جاءت في الاخبار فهي الارادة التي هي من الصفات الفعلية كالخلق و الرزق، و هي نفس الموجود الخارجي من زيد و عمرو السماء و الأرض، كما ذكره شيخنا المفيد رحمه اللّه.
قلت: اتفق علماؤنا- الامامية- في هذا العصر المتأخر، على ان الارادة- فيه تعالى- من صفات الفعل، كما كانت عليه علماؤنا السلف، و جاء في روايات أهل البيت( عليهم السلام) و شطبوا على ما ذكره لفيف من المتكلمين في العصور الوسطى، بعد ان وضح لديهم ان الارادة فعل النفس في غيره تعالى، فتكون فيه تعالى فعله خارجا و احداثه كما في نص الخبر. و قد عرضت على سيدنا الاستاذ الامام الخوئي- دام ظلّه- تجديد النظر في البحوث الكلامية التي صيغت على نهج المتكلمين في العصور الوسطى، في صيغة حديثة تتوافق مع ما تجدد من انظار، و عادت سليمة طبق آراء السلف المستفادة من نصوص أهل البيت( عليهم السلام)، فوعد- دام ظلّه- بالانجاز. و راجع بالخصوص: محاضرات سيدنا الاستاذ بقلم محمد اسحاق الفياض: ج ٢ ص ٣٤- ٤٣.
[٢] أوائل المقالات للشيخ المفيد: ص ١٩.