التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٤ - مسألة الهداية و التوفيق
وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى، قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً، قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى، وَ كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَ لَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ، وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَ أَبْقى[١].
و بذلك تفسر مشيئته تعالى المتعلقة بهداية من يشاء و اضلال من يشاء فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[٢]. أي يخذل[٣] من أعرض عن ذكره، و يهدي من سعى إليه. إذ ليست مشيئته تعالى اعتباطا متنافيا لمقام حكمته عزّ شأنه، وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ[٤]، وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ[٥].
الخامسة: قدرة ايمانية عاصمة عن الخطل و الزلل، و عن الخطأ و الانحراف، هي عصمة ربانية تتحلى بها نفوس قدسية من عباد اللّه المصطفين الاخيار إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا، وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ[٦]. و هذا جزاء استقامتهم على هدى الفطرة و صبرهم في جنب اللّه وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً[٧]. و من ثمّ فإنّ العصمة خاصة بالانبياء و الأئمة الأولياء، هداهم اللّه إليها جزاء بما صبروا، و جعلهم الأئمة المقتدى بهم في الناس، حيث لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ[٨].
قال تعالى: وَ وَهَبْنا لَهُ (لابراهيم) إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا، وَ نُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ، وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى وَ هارُونَ، وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى وَ عِيسى وَ إِلْياسَ، كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَ إِسْماعِيلَ وَ الْيَسَعَ وَ يُونُسَ وَ لُوطاً، وَ كلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ- إلى قوله-
[١] طه: ١٢٤- ١٢٧.
[٢] إبراهيم: ٤.
[٣] و سنشرح- في فصل قادم- ان الاضلال من الله هو الخذلان بمعنى ترك المتمرد و نفسه، حيث أصر على العناد و الاستكبار.
[٤] الزمر: ٧.
[٥] آل عمران: ١٠٨.
[٦] فصلت: ٣٠- ٣١.
[٧] الجن: ١٦.
[٨] التحريم: ٦.