التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٤ - الاستهزاء و الخديعة
أهدافهم و يهدم أساس بنيانهم المنهار، و كانت التسمية من باب التشاكل في التعبير لا غير.
و كذلك «كيده تعالى» لا يعدو الجزاء بمماثلة أعمالهم إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَ أَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً[١] انهم يدبرون المكائد المفضوحة العائد و بالها على أنفسهم بالذات، فربما كان تعالى يستدرجهم بالنعم و الموفقية في شيء من دسائسهم، غير أنّ اللّه سوف يأخذهم أخذ عزيز مقتدر أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ[٢]. ذلِكُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ[٣]. وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ[٤].
و قس على ذلك سائر الآيات التي جاء فيها ذكر الخداع و الاستهزاء و السخرية و الكيد و المكر، منسوبة إلى اللّه سبحانه. فانها تخرج جميعا على نسق واحد حسبما تقدّم.
قال تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ[٥] أي يفعل بهم فعل المخادع حسبما تقدّم في كلام الزمخشري.
و قال تعالى: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ[٦]. قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ[٧]. و هذه السخرية المماثلة يفسرها قوله تعالى: فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ[٨]. فقد كان الكفار يستهزءون من المؤمنين، قيامهم بتكاليف و أعمال عبثية- حسبما كانوا يرون- لكنّهم أصبحوا موضع سخريّة المؤمنين بما فاجأهم من العذاب المهين.
[١] الطارق: ١٥- ١٧.
[٢] الطور: ٤٢.
[٣] الانفال: ١٨.
[٤] الاعراف: ١٨٣ و القلم: ٤٥.
[٥] النساء: ١٤٢.
[٦] التوبة: ٧٩.
[٧] هود: ٣٨.
[٨] الانبياء: ٤١.