التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧١ - الجبرية
و هداهم و أضلّ الكافرين و لم يهدهم و لم يلطف بهم بالآيات- كما زعم أهل الزيغ و الطغيان- و لو لطف بهم و أصلحهم لكانوا صالحين، و لو هداهم لكانوا مهتدين. و انّ اللّه يقدر أن يصلح الكافرين و يلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين، و لكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، و خذلهم و طبع على قلوبهم»[١].
و قال- في المقالات-: «و قالوا- أي أهل السنّة-: انّه لا يكون في الأرض من خير أو شر إلّا ما شاء اللّه. و أنّ الأشياء تكون بمشيئة اللّه، كما قال عزّ و جلّ:
و ما تشاءون إلّا أن يشاء اللّه. و كما قال المسلمون: ما شاء اللّه كان، و ما لا يشاء لا يكون. و قالوا: إن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله- أي اللّه- أو يكون أحد يقدر ان يخرج عن علم اللّه، أو أن يفعل شيئا علم اللّه أنّه لا يفعله».
إلى أن يقول: «و لكنه أراد أن يكونوا- أي الكافرون- كافرين كما علم، و خذلهم و أضلّهم و طبع على قلوبهم»[٢].
تلك مقالة الأشعري الصريحة في الجبر، يرى من علمه تعالى بوقوع الأشياء سببا حتميّا للوقوع، و يكون العبد مرغما في فعل ما علم اللّه أنّه يفعله. و زاد: أنّ العبد لا قدرة له على فعل، إلّا إذا كان اللّه قد أراد ذلك الفعل، فالعبد في أفعاله تابع لإرادة اللّه و مشيئته الخاصة، و ما تشاءون إلّا أن يشاء اللّه.
و هكذا زعم أنّ الكافر مجبر على الكفر، لا يستطيع الاقلاع عنه، قال- في مسألة «الاستطاعة»-: «و يقال لهم- أي للقدرية، و يريد بهم المعتزلة-:
أ ليست استطاعة الايمان نعمة من اللّه و فضلا و احسانا؟ فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون توفيقا و تسديدا، فلا بدّ من الاجابة إلى ذلك، يقال لهم: فإذا كان الكافرون قادرين على الايمان، فما أنكرتم أن يكونوا موفّقين للايمان، و لو كانوا موفّقين مسدّدين لكانوا ممدوحين، و إذا لم يجز ذلك لم يجز أن
[١] الابانة: ص ٦- ٧.
[٢] مقالات الاسلاميين: ج ١، ص ٣٢٠- ٣٢١.