التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣ - تمهيد
إلى ما يفهمون منها حسب ما أوتوا من أفهام ساذجة بدائية، لا يزيدون شيئا و لا ينقصون.
لا شكّ أنّها كانت طريقة الوقف و الاحتياط في الدين، بالنسبة إلى من لم يرتفع مستواه عن مستوى العامة بشيء. و بذلك قد سلموا عن كثير من شبهات اعترضت طرق الخلف، ممن ولجوا في مسائل عقلية غامضة، و كان قد أعوزتهم الوسيلة النافذة، التي كانت تؤهّلهم لسبر تلكم الأغوار.
هذا أبو هريرة سئل عن المبدع الأوّل كيف وجد؟ فلم يحر جوابا و جعل يضطرب من مفاجأة هكذا سؤال! قال: و انّي لجالس ذات يوم، إذ قال رجل من أهل العراق: يا أبا هريرة هذا «اللّه» خلقنا، فمن خلق اللّه تبارك و تعالى؟
قال أبو هريرة: «فوضعت اصبعي في اذني و صرخت: صدق اللّه و رسوله، اللّه الواحد الأحد الصمد، لم يلد و لم يولد، و لم يكن له كفوا أحد»[١]. إذ مسألة «وجود الواجب بالذات»[٢] لم تكن مما يدركها أمثال أبي هريرة ذلك العهد.
و قال أبو بكر: «أي أرض تقلني و أيّ سماء تظلني إذا قلت في كلام اللّه ما لا اعلم». و سئل عبيدة السلماني عن شيء من تفسير القرآن، فقال: «اتّق اللّه و عليك بالسداد»[٣].
و جاء رجل إلى مالك بن أنس- إمام المالكية- فقال: يا أبا عبد اللّه!
[١] راجع: رسالة« الرد على الجهمية» لعثمان بن سعيد الدارمي: ص ٧.
[٢] ينقسم الموجود الى« موجود بالذات» و« موجود بالغير» و نعني بالثاني ما يستمدّ في وجوده حدوثا و بقاء من خارج ذاته، اي يوجده غيره. و كلّ« ما بالغير» لا بدّ أن ينتهي الى« ما بالذات» لا محالة، و هو منتهى سلسلة الموجودات. و من ثمّ فالبارئ تعالى هو مبدأ هذه السلسلة، فهو« موجود بالذات» لم يستمدّ في وجوده من خارج ذاته، و إلّا لم تنته السلسلة. و يطلق عليه تعالى« واجب الوجود»، كما يطلق على غيره- من سائر الموجودات جميعا-:« ممكن الوجود». فوجوده تعالى وجود كامل غنيّ بذاته لذاته، و غيره محتاج فقير، و مستمدّ منه تعالى و تقدّس.
[٣] نفس المصدر السابق: ص ٥.