التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٨ - مسألة القضاء و القدر
تحقيقا لجانب حكمته تعالى و عدله، لا مساس له بمسألة الجبر و اضطرار العباد على أفعالهم الاختيارية.
و لعلك بمراجعة ما أثبتنا في مسألة الأمر بين الأمرين عرفت مدى دقة هذه المسألة المنطوية على سر الوجود على الاطلاق، إذ معرفة ما بين وجود الموجودات طرا، و تأثيره تعالى في ذلك، من ادق المعارف الاسلامية العليا، قد كابد العلماء الأمرّين حتى عثروا على حقيقتها و وقفوا على كنهها، على ما نبهنا. و هذا هو السر في النهي عن ولوجها، و لكن نهيا موجها إلى اولئك القاصري النظر من ذوي المعلومات الهابطة أو الضئيلة في مجالات العلوم الاسلامية الاصولية ذلك العهد.
و اليك نماذج منها:
٤/ ١-
سأل رجل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عن القدر، فقال:
«بحر عميق فلا تلجه». فسأله ثانية، فقال: «طريق مظلم فلا تسلكه». فسأله ثالثة، فقال: «سر اللّه فلا تتكلفه»[١].
٥/ ٢-
و في نهج البلاغة: قال- و قد سئل عن القدر-: «طريق مظلم فلا تسلكوه و بحر عميق فلا تلجوه، و سر اللّه فلا تتكلفوه»[٢].
٦/ ٣-
و قال- أيضا-: «الا ان القدر سر من سر اللّه، و حرز من حرز اللّه مرفوع في حجاب اللّه، مطوي عن خلق اللّه، مختوم بخاتم اللّه، سابق في علم اللّه وضع اللّه عن العباد علمه، و رفعه فوق شهاداتهم و مبلغ عقولهم».
هذا النهي الوارد في كلام الامام (عليه السلام) ينظر إلى اولئك المستضعفين. ممن تقصر افهامهم عن الخوض في مسائل الوجود، و في خلق اعمال العباد، فانه ربما افضى ذلك بهم إلى القول بالجبر، لما في ذلك من غموض و مزالق، تحتاج السلامة منها الى دقة و معرفة كاملة، كان ابناء ذلك
[١] كتاب التوحيد للصدوق: ص ٣٧٤. و البحار: ج ٥ ص ٩٧ و ١١٠.
[٢] شرح النهج لابن أبي الحديد: ج ١٩ ص ١٨١ رقم ٢٩٣.