التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠ - الإحكام و التشابه
عدا اولئك الراسخين في العلم، الذين استسهلوا الصعاب بفضل جهودهم في سبيل اكتساب المعالي.
و من هذا القبيل- أيضا- قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ[١]، فقد وقع فيها تشبيه ذاته المقدسة بالنور. و هو أدقّ تعبير في تقريب ذاته المقدّسة إلى أفهام العامّة، إذ لو قيل للجمهور: أن لا ماهيّة له تعالى، و لا هو جسم، و لا فيه خواصّ الجسم، لم يقتنعوا في الجواب عن موجود وقع الاعتراف به، كيف لا ماهية له و لا هو جسم؟ فإذا قيل لهم: إنّه نور، اقتنعوا، في حين أنّ نفس الإجابة صحيحة يعرفها الراسخون في العلم، إذ كما أنّ النور- في المجسوس- غير قابل للإدراك ذاتا، و إنّما يحس به من قبل إنارته للأشياء، كذلك وجوده تعالى- في غير المحسوس- لا يدرك هو، و إنّما يدرك بإفاضته الوجود على الموجودات، فاللّه تبارك و تعالى يتجلى من خلال كلّ موجود، و ليس يدرك ذاتا، كالنور سبب لإدراك الأشياء و تعجز الأبصار عن إدراكه بالذات[٢].
و أمّا عوامل الإبهام المحوجة إلى التفسير، فتعود إلى جهات اخر، منها: غرابة الكلمة عن المألوف العام، نظرا لاختصاص استعمالها ببعض القبائل دون بعض، فجاء القرآن ليوحد اللغة باستعمال جميع لغات العرب، من ذلك «صلدا» بمعنى «نقيا» في لغة هذيل. و «الإملاق» بمعنى «الجوع» في لغة لخم.
و «المنسأة» بمعنى «العصا» في لغة حضر موت. و «الودق» بمعنى «المطر» في لغة جرهم. و «بسّت» بمعنى «تفتّتت» في لغة كندة. و هلمّ جرّا، الأمر الذي دوّنت لأجله كتب غريب القرآن، و هي كثيرة[٣].
و منها: إشارات عابرة جاءت في عرض الكلام، بحيث يحتاج فهمها إلى
[١] النور: ٣٥.
[٢] راجع: الكشف عن مناهج الأدلّة لابن رشد: ص ٩٢- ٩٣.
[٣] منها رسالة تتضمن ما ورد في القرآن من لغات القبائل، مطبوعة في هامش تفسير الجلالين، نسبها جلال الدين الى أبي القاسم محمد بن عبد اللّه.( الاتقان ج ١ ص ٧ ط ١).