التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٢ - العرش و الكرسي
واحد أم هما شيئان؟ ذهب أهل الحشو من أصحاب الحديث إلى أنّ العرش هو سرير ملكه تعالى متربع عليه، و الكرسي دكة أو مصطبة دون العرش، يكون موضع قدميه تعالى، و هو يئط[١] من ثقله تعالى أطيط الرحل الحديد. و رووا في ذلك أحاديث اعتمدوا ظواهرها من غير تعمق أو تحقيق[٢].
أمّا أهل النظر و التمحيص فقد شطبوا على هكذا روايات هي مخالفة لضرورة العقل و محكم الشريعة. و فسروا العرش و الكرسي بالعلم و القدرة، لمناسبة جلية من نفس الآيات، و شواهد من اللغة و الآثار[٣].
و الذي نستخلصه من مفاد الآيات و الروايات الصحيحة: أنّ العرش و الكرسي تعبيران عن معنى واحد، هو: جليل قدرته تعالى وسعة علمه المحيط بكلّ شيء. غير أنّ «الكرسي» جاء تعبيرا عن «ملكه» تعالى بالذات، و «العرش» تعبيرا عن جانب «تدبيره» لشئون الخلق كله. فالكرسي كرسي الملك، و العرش عرش التدبير. و كلاهما يشفّان عن سعة علمه و عظيم قدرته تعالى، حيث القدرة الشاملة و العلم المحيط يستدعيان ملكا يسع السماوات و الأرض، و تدبيرا شاملا لعالم الوجود أجمع.
قال ابن فارس: الكرسي أصل عربي يدل على تلبّد شيء فوق شيء و تجمّعه و منه اشتقت الكرّاسة اسما لمجموع أوراق يكتب فيها بعضها على بعض.
و الكرسي أصل البناء أيضا، لضخامته. قال الزمخشري: يقال هو طيب الكرسي أي الأصل[٤]. و الكرسي منسوب إلى كرس الملك، و هو ما يعتمد
[١] أط أطيطا أي صوت.
[٢] راجع بالخصوص: تفسير ابن كثير- ذيل آية الكرسي: ج ١ ص ٣٠٩- ٣١٠.
[٣] راجع بالخصوص: تفسير الطبري هنا« جامع البيان»: ج ٣ ص ٨ و سننقل بعض كلامه في آخر الفصل.
[٤] كما قال العجاج:
|
ان أبا العباس اولى نفس |
بمعدن الملك الكريم الكرس |
|