التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٨ - الرؤية
و الوجه الثاني: أنّه طعن في السن حتى كبر و شاخ و ذهب عقله و خرف[١].
قال القاضي: أنّه خولط في عقله في آخر عمره. و الكتبة يكتبون عنه على عادتهم في حال عدم التمييز. و لا ندري أنّ هذا الخبر- المنكر- رواه و هو صحيح العقل أو مختلط العقل[٢].
٩- و أما قوله: «لا موجود إلّا و جائز أن يريناه اللّه» فلا يعد و سفسطة و مصادرة على المطلوب، إذ لا ملازمة بين مطلق الوجود و امكان الرؤية، بعد أن لم يثبت ذلك ببرهان، و لا كان ضروري الثبوت في الوجدان.
نعم استدل متفلسفوهم ببرهان «السبر و التقسيم»، قالوا: إنّا قاطعون برؤية الأعيان و الأعراض، ضرورة أنّا نفرق بالبصر بين جسم و جسم، و عرض و عرض، و لا بدّ من علة مشتركة بين الجسم و العرض لهذا الحكم المشترك بينهما، و هي: إمّا الوجود، أو الحدوث، أو الإمكان، إذ لا رابع يشترك بينهما. غير أنّ الحدوث عبارة عن الوجود بعد العدم، و الإمكان عبارة عن عدم ضرورة الوجود. و العدم لا مدخل له في العلية، فتعين الوجود «و هو مشترك بين الصانع تعالى و غيره من الأجسام و الأعراض» إذن جاز رؤيته تعالى لأنّه موجود[٣].
و مغالطة هذا الاستدلال واضحة، إذ العرض بما هو عرض لا يقبل تعليق الرؤية به، ما لم يقم بجسم، فيرى من حيث كونه جسما. و ذلك كالكم و الكيف و الأين و الوضع و الجدة و الإضافة و الفعل و الانفعال و متى[٤]، الأعراض التسعة المشهورة لا تقبل تعلق احساس بها في أنفسها. فإنّ العدد بما هو عدد لا يرى و إنّما يرى المعدود. و هكذا بقية الأعراض.
[١] نفس المصدر. و الذهبي في الميزان: ج ٣ ص ٣٩٣.
[٢] شرح الاصول الخمسة: ص ٢٦٩.
[٣] شرح العقائد النفسية لمسعود بن عمر التفتازاني: ص ٥٦ ط كابل.
[٤] شرح تجريد الاعتقاد لابن المطهر الحلّي- قدّس سره-: ص ١٠٧.