التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤ - لما ذا في القرآن متشابه؟
انظر إلى هذه الآية الكريمة: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ[١] ربّما لم تكن العرب تخطر ببالها إرادة الرؤية بالعين، كما قال الزمخشري: سمعت مستجدية بمكّة، بعد ما أغلق الناس أبوابهم من حرّ الظهيرة، تقول: عيينتي نويظرة الى اللّه و اليكم[٢]. و لم يختلج ببال أحد أنّها تقصد النظر بالتحديق الى اللّه سبحانه، و إنّما كان قصدها الانقطاع إليه و توقّع فضله و رحمته تعالى. و هكذا في الآية الكريمة نظرا الى موقعية الحصر فيها. لكن الأشاعرة و أذنابهم من مشبهة و مجسمة جمدوا على ظاهر الآية البدائي و أصرّوا على أنّه النظر إليه تعالى بهاتين العينين اللتين في الوجه[٣].
و هكذا لما سمعت العرب قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ[٤] ربما لم تفهم منه سوى استقلاله تعالى بملكوت السماوات و الأرض و تدبيره لشئون هذا العالم، نظير قول شاعرهم:
|
ثم استوى بشر على العراق |
من غير سيف و دم مهراق |
|
و قال آخر:
|
فلما علونا و استوينا عليهم |
تركناهم صرعى لنسر و كاسر |
|
لكن الأشاعرة و من ورائهم سائر أهل التشبيه، أبوا إلّا تفسيره بالاستقرار على العرش جلوسا متربعا فوق السماوات العلى، و قد ينزل إلى السّماء الدنيا ليطلع على شئون خلقه فيغفر لهم و يجيب دعاءهم، إذ لا يمكنه ذلك و هو متربع على كرسيه فوق السماوات[٥].
[١] القيامة: ٢٢- ٢٣.
[٢] راجع: الكشاف، ذيل الآية، و أساس البلاغة: مادة« نظر».
[٣] راجع: الابانة لأبي الحسن الأشعري: ص ١١، ط حيدرآباد الدكن.
[٤] يونس: ٣.
[٥] راجع: الابانة: ص ٣٥ فما بعد. و رسالة الرد على الجهمية للدارمي: ص ١٣ فما بعد.